الثلاثاء, سبتمبر 22, 2026
الرئيسية » أميرة غربي – الجزائر: مقتطف من رواية « رحلة الليالي السبع » (ج2)

أميرة غربي – الجزائر: مقتطف من رواية “رحلة الليالي السبع” (ج2)

"الليلة الثامنة: "معجزة إلٰهية

204 زائر 7 دقائق اقرأ

ولدت في “غوى” بتاريخ 22 06 1986، وتاريخ ميلادي في حد ذاته حكاية؛ لأنه تحول من 1986 إلى 1985، وبذلك مسحت منه الدقة، ولم يعد لي إلا تاريخًا يشد ذهني أنّ له حكاية جميلة.

أبي رحمه اللّٰه كان من التجار الذين أحبوا أن يبحثوا عن رزقهم خارج بلادهم لما تقطعت بهم السبل، وقد عشت حياة الصّبا في بساطة تلك المدينة، فتلذذت بعطر غبارها، وارتشفت من أحضانها التواضع، عشت صبيًا سعيدًا باذخًا، لكني لم أكن متطلبًا.

لي أم -رعاها الله- حفظتني من كل هول بتوفيق من الله، وجدة أحبتني حتى الثّمالة، فكنت أحسب أن أمي أختي، ولست أنسى يوم عاقبني أبي حين أشار إلى جدتي فقال:

من هذه؟

قلت بدون تردد:

أمي.

ثم أشار إلى أمي فقال:

ومن هذه؟

فقلت:

أختي.

كانت أحلى الأيام حينما أذهب مع جدتي لنرعى الغنم، هناك تعلمت الرحمة والعطف على الحيوان، فأكرمني الله بأن أكون رحيمًا مع الإنسان.

عبق تلك الأيام كان يسري في دمي، حيث كان بجنبنا مدرسة كنت أراقب التلاميذ بمحافظهم يتجهون نحوها، فأحببت أن أكون مثلهم، لكن سني كان صغيرًا، فكنت أتسلل مع الصبيان وأدك جسدي النحيل بين أحد الصفوف، وأبقى هناك حتى منتصف النّهار، بينما حملة التفتيش قائمة، وجدتي تطوي الأرض بحثًا عني.

ومن فرط حبي للمدرسة أخذتني جدتي إلى أحد المشايخ، وهناك بدأت أحفظ القرآن بعد كر وفر، وبعد أن أذقته الأمرين استطعت أن أحفظ الحروف، ثم أتقن القراءة، وبدأت أتقدم في حفظ القرآن شيئًا فشيئًا، فلما كان سن دخولي المدرسة كنت أحفظ حوالي ربع القرآن، والحمد لله تلذذت بالحياة، وتشبعت بالإيمان، وكم أحببت القرآن، أحسست أن راحتي لا تكون إلا فيه، وأن أمانيَّ لا تتحقق إلا بمصاحبته.

إلى اليوم الذي فوجئت بقرار أبي أنه علينا الرحيل من مسقط رأسي، وأنه لم يعد لنا فيها مقام، فخرجنا من هول الحرب كالجرذان، ولذنا بالفرار.

أبي غليظ الطباع، قاس في مجمل تربيته، والحمد لله تعلمت من صرامته الانضباط وحسن السيرة إلى أقصى الحدود. حطينا الرحال في بلدي الأصلي وأرض أجدادي، وهناك بدأت حياة جديدة مع المزيد من الأصحاب ومع الكثير من الأحباب، وقد كنت شرير الطباع؛ في البيت رزينًا، وفي الشارع نمرًا، وكنت مولعًا ب”الرجل الوطواط” و”النمر المقنع”؛ لا أصدر صوتًا في المنزل، لكني كثير الضجيج والفوضى بالشارع، رغم أني رافقت شلل الشر كلهم، إلّا أنني وبتوفيق من الله وحرص من جدتي استطعت أن أخرج من دوامة الفساد؛ فهي من كانت تحرس على تربيتي؛ لأن أبي كان يغيب عنا بالسنوات.

ومرت السنون بين المسجد والمدرسة إلى أن أكملت كل سنوات الدراسة الابتدائي ببلديتي الصغيرة، فكان لزامًا علي أن أنتقل إلى الولاية لأكمل دراستي المتوسطة. تركت أمي وأكبر حب في حياتي (جدتي) وإخوتي، وبدأت رحلة العلم مع أم جديدة وإخوة جدد، والحمد لله استطعت أن أندمج مع الوضع الجديد؛ ولكنني كنت انطوائيًا في مرحلة المراهقة، فعشت أمورًا كثيرة آلمتني، إلا أنني دفنتها في قلبي، واقتربت من أمي (زوجة أبي) وإخوتي حتى أنني لم أعد أفرق بين الأسرتين، أصبح الكل عندي سواء؛ إلا أن للأم حبًا وحنانًا متميزان عن كلّ ما يكنه لنا الآخرون، وقد استلهمت من أمي ووصاياها لي؛ التّواضع وحسن الخلق والأخذ بالأسباب، ولست أنسى الرسائل التي كنت أراسلها بها، فقد كانت دوما تحثني على الدعاء وعلى الصلاة.

حصدت المراتب الأولى في سنواتي جميعا؛ لأني كنت أغار من إخوتي حينما كان يحدثني عنهم الأساتذة بأنهم كانوا مميزين ومهذبين ويحصلون على علامات جيّدة، فعاهدت نفسي أن أكون أفضل منهم، وأكبر نجاح فرحت به هو تحصلي على أكبر معدل في المتوسطة خلال شهادة التعليم الأساسي، لكن فتور الفرحة عند أبي؛ لأنه كان منشغلا مع هموم السياسة والأحزاب والترشح لمنصب رئيس البلدية، أصابني بإحباط، ومنذ ذلك اليوم قررت أن أحقق نجاحاتي من دون أن أخبر أيا كان، ومن دون أن أهتم بفرحة أي إنسان، فقد توطد داخلي إيمان عميق أنني لا أنجح إلا لنفسي.

أحببت وطني وكم غنيت من أجله وحزنت وبكيت أيام المحن عليه، وتوجت بذلك أن كنت رئيس فرقة الإنشاد، كنت أصدح فيها كالطير، يبث أحزانه هنا وهناك، وينثر همه على أغصان الأشجار، ينوح على أمته التي غرقت في وحل الموت ونزيف الدماء، وكم كانت حلوة تلك الأيام رغم مراراتها!

عندما أصعد إلى المنصة تنهمر الدموع مدرارًا، ليس خوفًا من الجماهير وإنما حزنًا على وطني، والحمد لله ما فرحت فرحة أكبر من فرحتي بتحصلي على البكالوريا، وخروج وطني من دوامة الموت التي كانت تكتسحه وتأتي على الأخضر واليابس.

في الجامعة عشت عالمًا متذبذبًا حيث تقترب الرذيلة من الفضيلة؛ فإقامتي بالجامعة إقامة مختلطة بكل ما تعنيه كلمة اختلاط، وكم عانيت من أجل الالتزام، هناك حصلت المفاجأة فينما كنت أتحدى نفسي بين عذاب الضمير ولوعة الشوق إلى خوض غمار الرذيلة، وقع ما لم أضعه في الحسبان.

كان معي في الغرفة فتيان وأقربهما إلي “شاب سلفي”؛ هكذا يطلقون على أنفسهم وهكذا حسبته، كان جميل الطلعة، حسن الكلام، طيب الأخلاق، وكانت في تلك الأيام قد ظهرت الهواتف النقالة، فانتقيت لنفسي واحدًا، ككل الشباب أحببت أن أجاري التطور ولم لا أواكبه؟، قيل إنه يقرب البعاد وخاصة أهلي الذين يمكنني أن أطمئنهم عن حالي بين الفينة والفينة.

من طبعي ألا أشح بممتلكاتي على أي كان، فما بالك بحبيب وصديق!، فقد كان صديقي يستعمل هاتفي أغلب الأوقات، وبحكم أني لا أستعمل الهاتف إلا نادرًا، فإنني لم أكن أكترث لبقائه معه.

إلى اليوم الذي أبلغني فيه أن شريحتي سقطت منه، فلم أقلق وأخرجت شريحة أخرى احتياطية، على أمل أن نجد الشريحة المفقودة، واستمرت حياتنا الجميلة بين كد واجتهاد، وامتحانات وفروض، واندفاعة نحو الأخذ بالأسباب والكفاح من أجل النجاح وتحقيق الطموحات.

بمرور الزمن أصبح يعتري صديقي نوع من الملل وازداد في الكسل إلى أن قرر الانسحاب من الدراسة، فودعته بعيون يعتريها الاكتئاب والحزن على الفراق، كم تمنيت أن يغير قراره لكنها الأقدار ويجعل الله لنا الأسباب، عانقته بشدة ثم لحقت به إلى أن ركب على متن القطار، فكفكفت دموعي والألم يعتصرني، لقد فقدت أعز الأصحاب آنذاك.

مرت الأيام فاترة، بينما كنت وبعض الأصحاب نتسوق في أحد الأيام بالسوق الأسبوعي؛ إذا بسيارة تقتحم المكان، فخرج منها ثلاث رجال يلبسون بذلات سوداء ويضعون نظرات سوداء تخفي ملامح وجوههم؛ كانت أجسادهم قوية وفارعي الطول؛ أظهروا شاراتهم، ثم أخبرونا أنهم من الأمن وأننا قيد الاعتقال “ولا سبيل للمقاومة”؛ اقتادونا جميعا إلى التحقيق، فلما وصلنا الى مركزهم دخلنا في معمعة التحقيق والسب والشتم والترهيب والترغيب.

كان اسمي مدونا في اللائحة والضابط يصيح في وجهي:

أخبرني عن مكان “المنظمة” وعن أصحابك الذين ساهموا في التفجير وإلا فإنك ستذوق الويلات وتعرف مرارة التمرد على الدولة، وعقوبة الانضمام إلى “منظمة الارهاب”.

لم أفهم ما يحدث ولم أستوعب ما يجري من حولي، وتتابعت علي الأحداث بشكل رهيب لم أصدق حتى أنهم سيقتادوني للتعذيب، فكنت أبتسم ابتسامة الغريق وأقول بصوت باك حزين:

أنا مجرد طالب جامعي؛ وليس لي في التنظيم من أمر، أنا كل همي أن آكل قوت يومي، وأن أموت على أرضي شهيدًا.

لكن هيهـات هيهـات كان الشتم يعتلي الصيحات، والركل يزيد من آهاتي، والكفر بالله يتردد على مسامعي، فأصابني الهلع ولم أجد من مخرج إلا أن أتضرع لله الواحد الأحد، وفي خضم ذلك كله استطعت أن أفهم أن قنبلة انفجرت عن طريق الاتصال بهاتف نقال بالقرب من جامعتنا الأسبوع الماضي، كانت تحمل رقمي الذي أخبرني صديقي أنه ضاع منه، وبما أن ذلك هو الدليل الوحيد فإنه كان كافيًا للزج بي في زنزانة انفرادية.

تواترت علي التحقيقات، ولمدة شهر كامل لم أرَ الضوء، ولم أشم رائحة الهواء النقي من غير رائحة الأسمال البالية التي كنت ألبسها، وعرقي الذي تكدس علي ليصنع لي جلدًا آخر يقاوم كل أنواع التعذيب.

استمر الأمر لشهر آخر، اكتشفت حينها أنه تم العثور على جثة صديقي وهو أحد المنظمين لذلك التفجير، فازدادت حدة التوتر، وازداد الألم ولم أجد مخرجًا إلا الدعاء، لا أحد كان يعلم بما يجري حتى أسرتي، بما أنها اعتادت على انقطاعاتي المتكررة فإنها لم تستنكر انقطاع صوتي، خاصة أني كلمتهم قبل ذلك وأخبرتهم أني سأنقطع عن التواصل معهم لأني في مرحلة امتحانات، ولم أعلم حينها أني سأدخل أكبر امتحان في حياتي.

برغم الآلام تعلقت بخالقي، فكنت وبكل جراحي أصلي وأبيت الليل أدعو الله لي بالفرج بتدبير من الله، برغم أن حلقة الاتهامات كانت تضيق على رقبتي يوما بعد يوم وتزداد الدلائل علي.

إلى اليوم الذي قيض الله حلمًا يطرق ذهن امرأة من شرق البلاد كانت تعمل محامية، فكان يأتيها آت يذكر اسمي مرارًا وتكرارًا، فتستفيق مذعورة.

طرق الحلم بابها لثلاث ليال متتالية، فأقامت الدنيا وأقعدتها وأخذت تبحث عني؛ إلى اليوم الذي أتاها أحد موكليها وهو أحد الطلاب الذين درسوا معي، وبقدر من الله وجدها تقص لسكريتيرتها عن الحلم، وتتساءل عن الاسم وكيف يمكنها أن تجدني بين “ملايين البشر”، ثم ما أدراها أن هذا الاسم موجود فلربما كان تأويل الحلم أمرًا مختلفًا عن الاسم المذكور.

هنا تدخل القدر برسول عزيز كريم، فأخبرها موكلها أنه يعرف هذا الاسم وأنه كان معه طالب يدرس المحروقات والكيمياء يحمل هذا الاسم، فبدأت حملة التمشيط إلى أن استطاعت أن تصل إلي بعد جهد جهيد.

لا زلت أذكر كلام الضابط المسؤول عن التحقيق فكلماته ترن في أذني ذلك اليوم:

لو أتاك (ربك) فلن يخرجك من هنا.

لكن يشاء الله أن يقيض أمة من إمائه حملت راية الدفاع والذود عني إلى أن أخرجتني من قفص الاتهام وأعادت لي اعتباري، فعدت إلى مقاعد الدراسة من جديد، ونجحت بأحسن معدل في تلك السنة، ومن يومها آليت على نفسي أن أتخذ العلم رفيقًا في عمري ودربي وما بقي لي من نصيب، فسجلت بعدها بكالوريا أحرار ونجحت بمعدل جيد سجلت في كلية الطب، وجاهدت بين التوفيق بين دراسة المحروقات والكيمياء والطب الذي كان طموحي وطموح أبي منذ كنت صبيًا صغيرًا.

خرجت من المحنة بنفس جديد وانبجست في أعماقي ينابيع الكتابة وحب التجديد، فكتبت الشعر…الرواية، الخواطر، وكلها كانت تعبر عن أشجاني وما يعتريني من خطوب، وإلى الآن توجت بالنجاح في دراساتي جميعها والحمد لله، وما زال الطموح مستمرًا إلى أن يتغمدني الله برحمته فأوسد في التراب.

إنما هي رحمة الله تعتري العبد…صلت وجلت بين دفات الكتب، وبين مختلف ميادين العلم والتفكير، فما وجدت أجمل من ديني وتعاليمه!، وما وجدت أحلى من تاريخ أمة الاسلام، فكانت شخصيات الشجاعة والبسالة في التاريخ تعينني على تجاوز المحن، ومن الويلات التي ذاقها الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ في حياته تعلمت أن المؤمن ممحون، وأن الصبر مطلوب وخير الناس من تزود بطيب الكلام وحسن المقام، وزينة الأخلاق التواضع، وقمة العلم الزهد، ورفعة المؤمن الابتسامة وإن شاء فليستزد من الصفات الحميدة التي أراد خير البرية أن يزرعها فينا، وإلى الآن لازلت أتردد بين صفحات الكتب، وأرتمي في أحضان الحروف والبلاغة لعلي أروي عطشي، فلقد خرجت من أسري وسجني عطشانًا إلى العلم ومتيقنًا أنه الذخر، ولا زلت أجاهد وأطمح وأبحث رغم نفحات الكسل التي تعتريني أحيانًا، إلا أن للعزيمة كلمتها، وللإيمان دفعته وإلى هنا انتهلت من العلم فكانت مرحلة تدريسي بالثانوية أجمل إنجاز لي؛ لأني أحسست أني أزرع نباتًا…إنهم “أجيال المسلمين”.

أميرة غربي
أديبة – الجزائر

  • أديبة جزائرية
    أميرة غربي أديبة جزائرية من ولاية سطيف، تهتم بالأدب والثقافة، وتكتب في مجالات الرواية والقصة وأدب الطفل، مع اهتمام خاص بالقضايا الفكرية والإنسانية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، كما تعمل مدققة لغوية. صدر لها عدد من الأعمال الأدبية، من أبرزها «نحو القمة»، ورواية «حياة بين الفسق والنور» الحائزة على المرتبة الأولى في مسابقة دار رسائل للنشر والتوزيع سنة 2022، إلى جانب النوفيلا الإلكترونية «رحلة الليالي السبع». كما تشارك في مبادرات ثقافية وتربوية تهدف إلى نشر الوعي وتعزيز القيم الإنسانية من خلال الأدب.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.