الجمعة, أكتوبر 9, 2026
الصفحة الرئيسية الرواية والقصة مصطفى عبدالملك الصميدي – اليمن: قصّة بعنوان “رحلة بين الأطلال والسماء”

مصطفى عبدالملك الصميدي – اليمن: قصّة بعنوان “رحلة بين الأطلال والسماء”

41 زائر 6 دقائق اقرأ

قبل أن أمر بها، أمد ناظري إلى السماء، لأتأمل كم هي قريبة جدًا، قريبة إلى الحد الذي يجعلك تقول في نفسك: كيف لها أن تهبط إلى الأرض بهذه الوحشية الجميلة؟ ثم في اللحظة التي تليها، تدرك أن الأبنية التي كانت تملأ الفراغ وتجزئ الأفق إلى مكعبات فسيفسائية صغيرة لم تعد في مكانها. لقد اختفت، وكأن عصفة كونية بطشت بها أيما بطش؛ أنزلت إلى القاع قامتها، ثم تركت السماء مكشوفة حتى آخر جرح في أقصى مداها. في أرجائها الآن، تسكب الشمس ضوءها بين الشقوق كشظايا من نور خالص، لتنعكس قطع الزجاج المدفونة بين الغبار نجومًا صغيرة سقطت في المكان الخطأ من الأرض، ويستحيل بعدها الركام إلى مدينة خرجت من أنقاض نفسها؛ مدينة بُنيت من الظلال، إذ لا جدران لها ولا سقوف، وأبوابها مشرعة على الهواء والمجهول.

هنا، حيث ينبغي أن أمر بشارع جميل يشبه أي شارع في العالم الآخر، أمضي محدقًا، غير قادر على أن أقرر أيهما أمامي: أذلك الذي تبقى من مدينة كانت يومًا بكامل ألقها، أم ما أراه الآن محض طيف خرافي تشكل لي منذ اللمحة الأولى؟ أمشي في مساحة رمادية بحذر كبير، متحسسًا كل خطوة قبل أن أضعها، خشية أن تطأ قدمي خطرًا غافلًا. أجد نفسي مضطرًا إلى تغيير طريقي كل بضعة أمتار، كأن من طغى هنا قد خبط خبط عشواء؛ كومة من الحجارة تسد الممر، وقطعة من سقف سقطت في منتصف الشارع المؤدي إلى اللامكان، وأسلاك كهربائية تتدلى على الأنقاض بشكل فوضوي. ومع كل خطوة، تبدأ ملامح الفجيعة أكثر في الظهور؛ شاهد قبر كان مدخلًا لدار حديث، أثر متجر انحسر، نصف جدار يحمل وشم ألوانه الأخيرة، أبواب واقفة بشموخ زائف لم تعد تؤدي إلى أروقة وغرف. حتى التفاصيل الصغيرة هاهنا ترفل بثقلٍ لا يناسب حجمها؛ صحاف متشظية، حطام أرائك وأثاث، كراريس مدرسية التقم التراب أطرافها، أحذية أقصاها النفي عند السُّبل، دمى مقطوعة الأعناق، وجوه في صورٍ غابرة كحّلها الرماد بالذهول، وأشياء أخرى لا تنطق بلغاتنا، لكنها تحشد في طيات السكينة ضجيجًا يفوق صخب الأسواق.

أمضي قدمًا نحو ما كان بالأمس سوقًا يموج بالحياة، فإذا بالمحال التي كانت تتصافح أكتاف أبوابها قد غدت فجاجًا فاغرة في وجه الخلاء؛ منها ما سقطت سماؤه، ومنها ما تشققت جدرانه، ومنها ما انمحى تحت سماط المنون. هنا كان الخلق يشيعون الخطو نحو الزحام، واليوم يمر العابرون فرادى، في يد كل امرئ زاد قليل إن وُجِد. بيدَ أن الناس ما زالوا يغالبون سكرات البقاء، ويعتصمون برمق الحياة؛ أناس يدفعون عربات تحمل – على سبيل النزوح – رفات متاع انتزعوه من شدق الركام، فيما يمد آخرون أعناقهم إلى سراب شاحنة تخلّقت في خيالهم، على أمل أن يُغاثوا من معونات رابضة خلف مغالق الحدود. أنفذ عند أقصى السوق الذاهب في المحو، فأقف أمام حانوت صغير “لشاورما”، بقيت لافتته معلقة بكامل حروفها، كأنها رهان مكابر في وجه الفناء، وتحتها باب حديدي مغلق، يحاذيه ممزق إعلان لم يسقط من وجدان الحي وذاكرة الرصيف. أهوي بيدي أروم لمسها، ثم أسحبها رهبةً، مستشعرًا أني أطالع ذاتًا مفجوعة، وأن الحروف توشك أن تنطق بعتاب خانق وطويل: “صمتك يد أخرى في الجوع والخراب.”

أنكص عن المشهد مثخنًا بما لا يحتمل، ميممًا وجهي شطر شارعٍ آخر، لعلي أجد فيه مهربًا من هذا الخراب الساكب، وأنفذ إلى مناجاة خفيفة تُقالل حزني. فإذا بي أقف حيال مدرسة طمس الدهر ملامحها. صحنٌ واسع للهواء، جدر مثقوبة، أبواب مخلوعة، حجرات تلاشت أبعادها في الفضاء. وعلى بقايا سور منيع تلمع خطوط بديعة تشدو بالوطن والحب والوجود: “باكتب اسمك يا بلادي عالشمس اللي ما تغيب”… “بدنا نعيش”. وفي جنباتها رسوم طفولية زاهية الألوان: بيت صغير، وشمس ذهبية، وزيتونة يانعة. أقف مشدوهًا أمامها. لا أعرف من أتقن رسمها، لكنني أستشعر أنها تنظر إلي من شاهقٍ لا تصل إليه الفوضى. أخرج من ثقب واسع في الجدار، فأبصر على المدى البعيد مبنى ما زال واقفًا، لكنه على ما يبدو مصبوغًا بلون الحريق. أُسرّع خطاي نحوه. “لعله أكثر الأماكن ازدحامًا.” قلتها في نفسي قبل أن أبلغه. كان ذلك مستشفى. لا يمكنني وصف ما أراه كما ينبغي؛ بعض الأشياء حين تكون حقيقية أكثر مما يجب، تصبح اللغة عاجزة عن حملها. أرى وجوهًا متعبة غارت فيها الدموع، جثثًا خرجت من تلافيف الهباء، وأخرى منقوعة باللون الأحمر، أيادٍ تتحرك بسرعة، أبوابًا تفتح وتغلق على الدوام، نقالات تمر في الأروقة، وأشخاصًا ينتظرون. أرى أمهات يجلسن في صمت ثقيل، يحتضنَّ حسراتهن، وأُخرات يضربن بأكفهن خدودهن. أرى رجالًا واقفين أمام رتاج الطوارئ ينظرون إلى الداخل ولا يدخلون، لكن حناجرهم تنطق بالرضا: الحمدلله الحمدلله. هكذا في هذا الجزء المريع من العالم، لا تمشي الحياة في خط مستقيم؛ تتعثر، تنحني، تموت، ثم تنبثق من قلب الظلال.

ولأن الصدمة قاتلة، أغمض عينيَّ لبرهة، وشفتاي تهتفان: “متعبٌ يا الله!” أخذ مسارًا آخر، فأجدني أمام مئذنة شاخصة، أو هكذا تبدو للوهلة الأولى واقفة. أرفع رأسي فأراها معلقة بحبل الهواء فوق ما تبقى من مسجد عتيق؛ نصفها رابض على كتف الجدار، ونصفها الآخر يموج في الفضاء الخالي. أمضي وأنا أقلب هذا العجب: “كيف للبناء أن يبقى شامخًا بعد خراب القواعد؟” فما استتمّ المشهد حتى برزت مئذنة أخرى من جوف الركام أكثر ميلانًا، كمن يشير بسبابته إلى الأمام، وإذا بصوت الأذان ينفذ من مكان خفيض دون قامتك، لكن جلاله المُنصبّ كان بلاغًا كافيًا ليقول إن هذا المكان أشد حفاظًا على الصلوات وأكثر إيمانًا بالدين واليقين.

ثم في أحد الأزقة، أبصر شجرةً يتنازعها الموت والحياة، نصفها يرفل بالنضارة، ونصفها الآخر يتلفّع بالغبار، لكنها ما زالت تمد ذراعيها على كاهل بيت سقط في المحو. أدنو منها وأنا أهاجس خيالي أن أُصولها الضاربة في الثرى تعانق دارًا أكثر اتساعًا ليصعد يومًا إلى الأعلى. ولأن المدينة لا تملك ترف التوقف، أتركها وأمضي، فأصادف عجوزًا تحمل طفلًا في حضنها؛ طفلًا لا يحتاج إلى الكلام، وجهه وحده يكفي ليخبرني أن الأطفال هنا يكبرون بطريقة لا علاقة لها بعدد السنوات. كانت العجوز تتخفى عن الأنظار، تجز الحشيش إلى داخل كيس أسود صغير، وحين سألتها بعفوية عما إذا كان لديها ما يستحق الاعتناء به من الدواب، هزت رأسها نفيًا، وعيناها مغرورقتان بالدموع، فأدركتُ حينها أن عبراتها تنطق بما هو أمرّ، وأن ما يكتنزه المقام هو زاد المجاعة لها وبنيها. لم ينتهِ المشهد هنا، غادرتها والقلب منسحقٌ والدمع منسكبٌ، بيدَ أن حقيقة صارمة صدعت رأسي: أتطعم الروح الممتلئة بالانكسار جائعًا أو تقي مفجوعًا بأس المصير؟

أستأنف السير، هناك في آخر الشارع المؤدي إلى الشاطئ أطفال يمرحون ويتقافزون بخفة الطير، ينهالون عليّ بالتساؤل من أي بلاد وفدت، وأي خطبٍ جاء بي إلى هذا المثوى، ثم يحفون بي كأنهم براعم من جنة عابرة. أحدهم يخبرني عن هواه الماضي للشاورما، فيُنسّق وصفها كمن يستحضر طعمها من باطن ذاكرته: الخبز الساخن والمطبوخ من شرائح اللحم والصلصة والبطاطس والرائحة. يكركر ضاحكًا وهو يتحدث بشغف أن منتهى أمله قطعة كاملة، كاملة دون نقص. وآخر يحدثني أن ما تستهويه نفسه ليس سوى كرة جديدة ليريني الآن كيف يداعبها مداعبة الكبار، وثالث يحلم بأرجوحة ليعلمني كيفية القفز إلى الفراغ البعيد، وطفلة عن حقيبة مدرسية وحزمة من ألوان الرسم لتكشف عن مهارة رسم بيتها الذي لم يعد هناك. أصغي إليهم وأكتشف أن أحلامهم، رغم كل ما حل بهم من خطوب، لم تتغير كثيرًا. أمشي بعدها وأنا أفكر في المفارقة التي تركها هذا المكان خلفه: مدينة تهدمت بيوتها وأسواقها ومدارسها ومساجدها ومستشفياتها، لكن أطفالها ما زالوا يتحدثون عن الغد بالطريقة نفسها التي يتحدث بها أطفال العالم حين لا يعرفون شيئًا عن الخراب. ربما لهذا يبدو وجودهم وسط الركام أكثر إيلامًا من الركام نفسه، لأنهم، رغم كل شيء، ما زالوا قادرين على تخيل مدينة أخرى، مدينة فيها مطاعم، ومدارس، ومكتبات، ودراجات، وشوارع نظيفة.

ثم أسمع صوت البحر، هادئًا على نحو يكاد يكون مثارًا للفضول. أمضي نحو شاطئه، فيتجلى أمام ناظري أفق مفتوح على آخره. أمواج في أوج عنفوانها، وزرقة خالصة بشكل مستفزٍ كما لو أن المدى مطوق أطرافه بسياجٍ محكم الحصار؛ إذ لا مرساة هنا لما سيأتي أو زوارق صيد. حتى الرمال يبدو عليها أنها تجهل أنباء المدينة المتناثرة خلفي. لكنني حين ألتفت، أرى ما دوني أطلالًا أشبه بمخطوطة قديمة كُتب مصيرها بخط عشوائي؛ فلا أدري من أي سطر أعود وكل السطور قباب من ركام. هناك حيث رائحة الدخان عالقة في الهواء، تختلط برائحة البحر والتراب ورائحة خبزٍ ينفثها أفقٌ من خلف المسافة، أخذ طريقي، موزعًا نظراتي يمنة ويسرة. أسمع جرافة تقشر صدر الإسفلت، وأصوات غريبة في الأزقة يحرسون المكان.

ثم أتسلق القمة الأعلى فوق كومات الأثر، وأقف بين الأطلال والسماء. ها هي الشمس تميل نحو المغيب، تُلقي بأشعتها الأخيرة عسجدًا براقًا على أشلاء المكان، فتستحيل الفجائع إزائي لوحة سرمدية غارقة في الجلال. هناك، وفي تلك اللحظة الفاصلة بين ضوء يحتضر وأمل يتنفس، أُدرك السر الأزلي لهذا القطاع بأن المدن العظيمة لا تفنى حين تنهدم جدرانها، لكنها تُبعث حية في أرواح أبنائها، ويكتب لها الخلود يوم يغدو الركام مهدًا لشهيق جديد. ألتفتُ خلفي للمرة الأخيرة، فأرى المدى الغابر كما لو أنه ينفض عن كاهله السُّخام، ليعود كما نحب أن نراه وأبهى. أطأطئ رأسي إجلالًا لكل شبر من هذه الأرض، ثم أمضي وراء خُطاي، يملأ صدري يقين أبدي أن السماء التي هبطت إلى الأرض بغضبها، هي ذاتها السماء التي ستسقط منها المعجزات.

مصطفى عبدالملك الصميدي
كاتب وشاعر ومترحم – اليمن

  • شاعر، ناثر، هايكويست، مترجم أدب يمني
    ماجستير أداب، ترجمة شاعر، ناثر، هايكويست، مترجم أدب مكان الإقامة اليمن

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.