الإثنين, أكتوبر 12, 2026
الصفحة الرئيسية أدب الرسالة فوزية البوبكري – تونس: نصّ في أدب الرسالة بعنوان “فلسفتي في الحب بعد عمر ونيّف”

فوزية البوبكري – تونس: نصّ في أدب الرسالة بعنوان “فلسفتي في الحب بعد عمر ونيّف”

33 زائر 2 دقائق اقرأ

ربما من بين كل كتاباتي… لم أكتب لك منذ أيام الخطوبة، رسائل لا زلنا نحتفظ بها ونعود إليها في كل مرة. واليوم يحلّ العام الواحد بعد الخمسين على ذلك الارتباط الذي جمعنا ذات غرة سبتمبر. يومها كان الخريف يأتي في موعده كما كل الأشياء التي كانت تلتزم بمواعيدها. يومها كان لنا موعد مع الحياة، واليوم، وقد مضى من العمر ما مضى، أراني أقف أمام مرآتي لتعكس لي صورة شابة في العشرين بكل جمالها، تذكّرني بأنها حينها كانت فرحتها بالفستان الأبيض، وكل ما يشغل فكرها أنها عروس محطّ اهتمام كل من حولها.

لم أفكر يومها بالمسؤولية ولا بقواعد الحياة مع شخص بيني وبينه مشاعر حب وتقارب، ولكني لم أكن أعرف عن طباعه شيئًا، وماذا يحب وماذا يكره. جلست على أقرب كرسي أحصي انتصاراتنا وهزائمنا، وقد دبّت فيّ رغبة بأن أكتب.

قررت أن أكتب لك وأكتب عنك، يا من كنت رفيقًا وحبيبًا ورجلًا.

في هذه اللحظات، والساعة تجاوزت الواحدة ليلًا، قررت أن أكتب عنك ولك، وإذا بي فجأة أعيش حالة تشبه المخاض، ولادة متعسرة جدًا، جنين يوشك على الاختناق في رحم أمه، كذلك كانت كلماتي التي أريد أن أكتبها عنك ولك. عرفت الآن، وبعد محاولات عديدة، أن الكتابة لك أنت وبحضرتك تولَد ولا تُكتب.

ما أصعب تلك الولادة في وجود رجل سيَرى مولودًا فور ولادته، بكامل براءته وأخطائه، دون ستر لعوراته…

كذلك كلماتي هذه، فتقبلها كما يتقبل الأب مولوده الأول.

أما بعد: أودّ أن أخبرك: لم تكن رجلًا بلا عيوب، ولم أكن امرأة مثالية. اهتزّ مركبنا عديد المرات، ولكنك كنتَ أكثر حكمة مني، وكنتُ أنا أكثر صبرًا منك. بحكمتك وصبري سارت بنا سفينتنا في بحر هائج أحيانًا، هادئ في أغلب الأوقات، واليوم، وقد تحوّلت اللهفة إلى خوف من أن يفقد أحدنا الآخر، وتحول توهّج الحب إلى مودة وسكينة ورحمة، لذلك لا أجد ما أكتبه.

فكل كلمات الحب كُتبت واستُنزِفت، كل حروف العشق نُسجت، فمن أين آتي لك بكلمات وحروف جديدة أكتبها لك وحدك؟

معادلة صعبة جدًا، أن أُخرج لك من ثمانية وعشرين حرفًا أرهقها، واستخدمها آلاف الشعراء والأدباء، ومنهم أنا، في مجلدات الحب منذ آدم وحواء.

كيف أقول لك إن واحدًا وخمسين عامًا ليست مجرّد رقم في سلّم الزمن، بل هي عمر بكامله؟ كيف أخبر العالم أن الحب بعد خمسين عامًا ليس نفسه قبلها؟

حب لا يجعل قلبك يخفق بين ضلوعك، ولكنه ينشر الثقة والطمأنينة في ثنايا روحك.

كيف أشرح أن الحب بعد مرور السنوات لم يعد له فعل وشوشات الفراشات تتخلّل جسدين كفرقعات ألعاب نارية، بل أصبح مسالك وخطوط طول وعرض امتدت جذورها مع شرايين الدم؟

الحب بعد عشرات السنين لا يبقى حبًّا يُذهلك، يحلّق بك إلى سابع سماء، بل يصبح حقيقة تدعمك وتسعدك.

يداك لما تلمس يداه لم تعد ترتجف، ولكنها لمسة تجعلك تقوى على النهوض كل صباح مبتسمًا، أن الحياة منحتكم يومًا إضافيًا، دون مفاجآت ولا تغيير يُذكر في برنامجكم اليومي.

لكن هناك طقوسًا أصبحت شبه مقدسة:

القهوة في الركن المحدّد وفي وقتها المعتاد.

المشاجرات على اختيار محطة على التلفزيون.

كيف نضع مناديل المطبخ.

هل نجعل المكيّف يعمل طول الليل؟

أشياء بسيطة، لكنها تملأ ساعاتنا الطويلة دون ضجيج، دون توهّج، ببساطة أنتَ هنا؛ إذن ما زال الحب يجمعنا، لكن ليس مثل البداية.

نحن نحب كل ما أنجزناه معًا.

نحب تلك الطمأنينة التي تسكننا وتعطينا شعورًا بالأمن بأننا في وسط العاصفة سنكون ملجأ لبعض.

نحب وجودنا مع بعض.

نحب شكوانا من تصلّب أقدامنا، ومع ذلك نقرر أن نقوم بجولة إلى أماكن كان لنا فيها ذكريات.

وتمضي بنا الحياة.

فوزية البوبكري
كاتبة – تونس

  • كاتبة تونسية
    كاتبة تونسية من مواليد مدينة قليبية، حاصلة على شهادة البكالوريا سنة 1972 من معهد نابل. تنوّعت كتاباتها بين القصة والرواية، حيث صدر لها مجموعتها القصصية «لولا السواد ما كانت الأحلام بيضاء»، كما أصدرت روايتين هما «رسائل مؤجلة» و**«وعند الصباح لن تسكت شهرزاد»**. شاركت بنصوصها في عدة إصدارات جماعية في القصة القصيرة والشعر والخاطرة، وتستعد لإصدار روايتها الثالثة قريبًا، مؤكدة استمرار عطائها وحضورها في المشهد الأدبي التونسي.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.