الأربعاء, يونيو 3, 2026
الرئيسية » زاهر الأسعد / فلسطين: نصّ بعنوان “أعتذر عن اسمي »

زاهر الأسعد / فلسطين: نصّ بعنوان “أعتذر عن اسمي”

73 زائر 1 دقائق اقرأ

أنا
ذلك الذي يسبق طلوعه
ويُنسى في زحمة النسيان

أمشي على هدب الحضور
كمن يخبئ سر الضوء في صدره
أحمل وجهي قناعاً من بريق شاحب
وأتوارى خلف ابتسامة
لا تفصح عن شيء
لأن لا شيء فيها

أعتذر عن اسمي
كما يعتذر الجرح للجرح
حين يلتقيان
ولا يتبادلان السلام

أجالس الناس
كما يجالس ظلي ضوئي
أصغي كمن يلتقط صدى نغمة شردت
وأتحدث كمن يخط وصيته على ماء النهر

أنطوي لا فراراً
بل اشتياقاً إلى مساحة لم تولد
إلى صمت لا يطلب تفسيراً
إلى عزلة لا تستغفر
إلى فراغ أتنفسه وحيداً
في شارع يتآكل كاسم منسي
في سرير يبرد كحقيقة لا تقال

أحب ما لم تمتهنه يد العالم بعد
الخشب المتوحش في ضلع سفينة غارقة
الضوء العاري على رصيف مشقوق
القصائد العالقة في حنجرة المطلق
ورائحة الخبز الحافي قبيل الفجر
والأيدي التي تصافح بلا غرض
والنساء اللواتي يمضين
كالغزالة في الحلم
دون أن يلتفتن

أنا شجاع
لكن شجاعتي لا تحصى بالغزوات
بل بعدد المرات التي وقفت فيها قبالتي
ونظرت في عيني كغريب
فلم أعرفني

شجاعتي أني خنت مبادئي
لأنقذ من لم يعد يذكر وجهي
وأني مشيت خلف جنازة عدوي
لأنه كان وحيداً

أهدي سكوني
للذين لا يسألون
للذين لا يطلبون ترجمة لذبذبات روحي
للذين يفهمون أني حين أتوارى
أكون في ذروة امتلائي

أهديه لقارئ يرتلني بخشوع
بلا وعد
للغائبين الذين لم يموتوا بعد
وللموتى الذين لم يرحلوا
للمرأة التي عبرت
دون أن تدري أنها
مفتاح الأسئلة كلها

أتذكر طفولتي
كمن يتذكر نبوءة تحطمت في الحلم
كنت أركض خلف ظلي في الزقاق الذي يشبهني
أحسبه رفيقاً لا يخون العتمة

أحمل في صدري
مدناً انهدت قبل أن تبنى
أحلاماً دفنت في المهد
أغنيات ماتت في حنجرة الريح

أعرف متى أزرع خطوي
ومتى أمحوه
كزارع ياسمينة في خاصرة الصحراء
يمضي قبل أن يشتهي الربيع

أكتب للفراغ
أرسم للغيب
أتنفس للذين لم يصلوا
للذين ناموا في محطات الانتظار
ولم يصحوا
للذين أحبوا بصمت
وماتوا بصمت
ولم يجدوا من يخط أسماءهم
على جدار

حين أغادر
لا ألوح للريح
لا أترك خيطاً يسدل على الطريق
أغادر كما ينسحب الضوء من حدقة
بلا احتكاك
بلا وداع
كأنني ثقب في ذاكرة النور

أغادر بصمت يليق بالجرح
لكن الجرح يعرفني
ويفتح لي أبوابه كل مساء
كأنني نفسه الأخير
كأنني اسمه الذي لا يفصح
كأنني وصيته التي لم يكتبها
لأنه لم يمت

أنا
الذي لم يعد يسأل
إن كان حياً يكتب
أم ميتاً يحلم
أم طيفاً ينتظر
قطاراً لا يصل
إلى محطة اسمها
الوطن

بقلم / الشاعر زاهر الأسعد

  • شاعر وكاتب فلسطيني
    وُلد في درعا عام 1983، لاجئٌ فلسطيني يقيم في سوريا، ويحمل في قلبه وطنًا غائبًا لا يفارقه، تمامًا كما لا يفارق الماء سيرة النهر. يعيش في المزيريب حيث تتداخل الذاكرة مع تفاصيل الحياة اليومية، فيكبر الحنين معه، ويكبر المعنى. يعمل في الشركة السورية للاتصالات، يمدّ الخيوط بين الناس، لكنه يجد اتصاله الأعمق في الشعر؛ فهناك يتنفس، وهناك يبحث عن المعنى الذي لا تمنحه الخرائط ولا تمنحه المهن. في الكتابة يفتح أبوابًا للضوء، ويصنع مسارًا خاصًا بين الصرامة العملية وحرية القصيدة. هاوٍ للشعر، محب للنصوص الوجدانية والفلسفية، يقلب الكلمات كما لو كانت أطيافًا تتشكل بين يديه، ويجعل من يومه طقسًا روحيًا يوازن فيه بين واقعٍ يفرض قوانينه، وخيالٍ يشرّع نوافذه بلا حدود. يحمل شغفًا لا ينطفئ، ويكتب ليظل حاضرًا في وجه الغياب، وليبقى الضوءُ ممكنًا مهما طال الليل.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.