الأربعاء, أغسطس 5, 2026
الرئيسية » هدى حجاجي أحمد – مصر: متتالية قصصية « أرواحٌ تعبر الضوء »

هدى حجاجي أحمد – مصر: متتالية قصصية “أرواحٌ تعبر الضوء”

176 زائر 2 دقائق اقرأ

1- وطن الليل

في وطن الليل، لا أحد يسمع الصرخات.

ليس لأن الأصوات لا تُولد، بل لأن الظلام تعلّم عبر قرون طويلة كيف يبتلعها قبل أن تصل إلى أحد.

هناك، خلف النوافذ المغلقة، وتحت أسقف البيوت التي أنهكها الانتظار، تحتشد صرخات صامتة كجيوش مهزومة تبحث عن معركة أخيرة.

امرأة تخفي دموعها في وسادة باردة.

رجل يبتلع هزيمته مع آخر رشفة شاي.

طفل ينام على حلم صغير لم يجد له مكانًا في النهار.

وعجوز يجلس قرب ذاكرته كمن يجلس قرب مقبرة يعرف أسماء جميع من فيها.

في وطن الليل، تتشابه الأحزان حتى تكاد تصبح لغة واحدة.

2- قبل الفجر بقليل

ثمة ساعة غامضة تسبق الفجر.

ساعة لا ينتمي فيها العالم إلى الليل ولا إلى النهار.

كأن الزمن يتوقف قليلًا ليلتقط أنفاسه.

في تلك اللحظة تحديدًا، تستيقظ الأرواح المتعبة.

تخرج من زوايا الغرف، ومن الشقوق التي صنعتها الخيبات في الجدران.

تمشي بخفة بين النائمين.

تتفقد وجوههم.

تلمس أحلامهم بحنان عابر.

ثم تعود محمّلة بما تبقى من وجع النهار.

كأنها تجمع الحزن المتناثر كي لا يراه أحد عندما تشرق الشمس.

3- إشراقة أولى

وحين تفتح الشمس عينها الأولى على العالم، يحدث أمر لا يراه كثيرون.

تتبخر الصرخات.

لا تختفي…

بل تتحول إلى غبار شفيف يلامس الضوء.

ترتفع ببطء نحو السماء، كأنها أرواح أنهت إقامتها المؤقتة على الأرض.

يراقصها النور للحظات.

ثم تمضي.

لا أحد يعرف إلى أين.

لكنني كنت أراها دائمًا.

أراها في خيوط الشمس المتسللة من بين الأشجار.

وفي الذرات الراقصة فوق الكتب القديمة.

وفي ذلك اللمعان الحزين الذي يزور النوافذ كل صباح.

كنت أشعر أن لكل ذرة منها حكاية.

وأن كل حكاية كانت يومًا صرخة لم تجد من يسمعها.

4- الذين يتركون ظلالهم

بعض الناس لا يرحلون كاملين.

يتركون وراءهم شيئًا يشبه الضوء.

أو يشبه الحنين.

أو يشبه سؤالًا بلا إجابة.

وحين يمر الصباح فوق الأماكن التي عرفوها، تتحرك ظلالهم قليلًا.

لا لتعود…

بل لتطمئن أن الذكرى ما زالت تتنفس.

لهذا تبدو بعض الشوارع أكثر حزنًا من غيرها.

وبعض المقاعد أكثر وحدة.

وبعض الأغاني أكثر امتلاء بالغياب.

فالأماكن تحفظ ما تعجز القلوب عن الاحتفاظ به.

وتظل تنتظر أصحابها حتى بعد أن يصبحوا مجرد غبار يلامس النور.

5- سفر الأرواح

ربما لا تموت الأحزان كما نظن.

ربما تتحول فقط.

من دمعة إلى ذكرى.

ومن ذكرى إلى حكاية.

ومن حكاية إلى ضوء عابر يزور نافذة بعيدة.

لهذا، كلما رأيت ذرات الغبار تتراقص داخل شعاع الشمس، شعرت أنها ليست غبارًا على الإطلاق.

إنها أرواح الحكايات القديمة.

أرواح الذين أحبوا كثيرًا.

وانكسروا كثيرًا.

وصبروا كثيرًا.

ثم رحلوا بهدوء…

تاركين للضوء مهمة رواية ما عجزوا عن قوله.

بقلم / الكاتبة هدى حجاجي أحمد

  • كاتبة وروائية مصرية
    هويدا حجاجي أحمد كاتبة وروائية مصرية كاتبة وروائية مصرية تُعنى بالأدب الوجداني والدراما الواقعية، وتتميّز أعمالها بعمق إنساني ولغة شاعرية تمزج بين الرمز والعاطفة. قدّمت مجموعة من الأعمال القصصية من بينها «سيدة الياسمين» ضمن مجموعتها الكاملة، إضافة إلى نصوص رمزية وتأملية مثل «وجه لا يُرى إلا في الهدوء» و«حين تهدأ الفكرة». تلامس كتاباتها قضايا الإنسان والذاكرة والحب والصمت، وتقدّم رؤى سردية تنبض بالحسّ الأنثوي والنَفَس الفلسفي. ظهرت نصوصها في منصّات أدبية متعددة، وتواصل بناء مشروعها السردي بخطى ثابتة، طامحة إلى ترك بصمتها المميّزة في المشهد الأدبي المعاصر.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.