الأربعاء, أغسطس 5, 2026
الرئيسية » خالد الحديدي – مصر: حين يحاور الحفر الثقافي الجدلي جمالية التلقي

خالد الحديدي – مصر: حين يحاور الحفر الثقافي الجدلي جمالية التلقي

203 زائر 4 دقائق اقرأ


قرأت كتاب نحو ؤ التلقي تاريخ الأدب تحدٍّ لنظرية الأدب لهانس روبرت ياوس، فلم يكن أول ما استوقفني ما قاله المؤلف، وإنما الطريقة التي أعاد بها طرح السؤال القديم: كيف نفهم النص الأدبي؟ أهو أثر يكتمل بمجرد أن يضع الكاتب قلمه، أم أنه يبدأ حياته الحقيقية بعد ذلك، حين ينتقل من يد مؤلفه إلى عقول قرائه؟ ولعل هذا السؤال، على بساطته الظاهرة، من أعقد الأسئلة التي شغلت النقد الأدبي منذ نشأته؛ لأن الإجابة عنه هي التي تحدد موقع المؤلف، ومكانة النص، ودور القارئ، وحدود التاريخ، وطبيعة المعنى نفسه.

ولقد درج النقد الأدبي طويلًا على أن يبحث عن معنى النص خارج النص؛ فمرة يجعله في حياة المؤلف، حتى كأن القصيدة أو الرواية ليست إلا صفحة من سيرته الشخصية، ومرة يجعله في الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بالعمل، حتى يغدو الأدب مجرد وثيقة تاريخية، ومرة يحصره في البناء اللغوي، حتى تصبح الكلمات عالمًا مغلقًا لا يتصل بالحياة ولا بالإنسان. وكانت كل مدرسة تنقض ما قبلها، ثم لا تلبث أن تقع فيما أنكرت على غيرها، فتستبدل مركزًا بمركز، لكنها لا تغير طبيعة النظر نفسها.

وهنا تأتي أهمية مشروع ياوس؛ لأنه لم يسأل: ماذا أراد المؤلف أن يقول؟ ولم يسأل أيضًا: كيف بني النص؟ وإنما سأل سؤالًا آخر: كيف عاش النص في التاريخ؟ وكيف استقبله الناس؟ وكيف تغيرت قراءته من عصر إلى عصر؟ وهو سؤال يبدو لأول وهلة بسيطًا، ولكنه ينقل مركز البحث من لحظة الكتابة إلى رحلة النص الطويلة عبر الزمن.

ومن هنا نشأت فكرته عن (أفق التوقع)؛ فالإنسان لا يقرأ وهو صفحة بيضاء، وإنما يقرأ وهو يحمل ثقافته، ومعتقداته، وذائقته، وصورته عن العالم. ولذلك فإن كل قارئ يدخل إلى النص من باب مختلف، وكل عصر يفتح في النص نافذة لم تكن مفتوحة من قبل. وقد يبدو العمل الأدبي غريبًا مرفوضًا في زمنه، ثم يتحول بعد عقود إلى عمل مؤسس لمرحلة جديدة، لا لأن النص قد تغير، وإنما لأن القارئ هو الذي تغير، ولأن التاريخ نفسه قد صنع أفقًا جديدًا للفهم.

وهذه الفكرة، في تقديري، من أكثر أفكار النقد الحديث عمقًا؛ لأنها تحرر النص من السكون، وتجعل معناه في حركة دائمة، وتبين أن الأدب لا يعيش في الماضي وحده، وإنما يعيش أيضًا في الحاضر، وربما في المستقبل. فالنص العظيم ليس هو الذي يقدم جوابًا واحدًا لكل العصور، وإنما هو الذي يستطيع أن يثير في كل عصر أسئلة جديدة، وأن يظل قادرًا على محاورة الإنسان مهما تغيرت الأزمنة.

غير أنني، كلما تقدمت في قراءة الكتاب، أخذت أشعر أن هذه الرؤية، على ما فيها من جدة وثراء، تقف عند مرحلة معينة من مراحل فهم النص، ولا تمضي إلى المرحلة التالية. فهي تجعل القارئ محور العملية النقدية، وتجعل تاريخ التلقي هو الطريق إلى فهم الأدب، ولكنها لا تتوقف طويلًا أمام البنية الثقافية العميقة التي يحملها النص في داخله، ولا أمام الطبقات التي تختبئ خلف لغته، ولا أمام التناقضات التي قد تكون هي المفتاح الحقيقي لفهمه.

ومن هنا وجدت نفسي أقارن، من غير قصد، بين ما يطرحه ياوس وبين منهج الحفر الثقافي الجدلي الذي أسسته. ولم تكن هذه المقارنة رغبة في الانتصار لمنهج على آخر، وإنما كانت محاولة لمعرفة حدود كل منهما، وما يستطيع أن يضيفه إلى فهمنا للأدب.

لقد وجدت أن بين المنهجين مساحات واسعة من الالتقاء؛ فكلاهما يرفض أن يكون للنص معنى واحد مغلق، وكلاهما يرى أن التاريخ عنصر لا يمكن إقصاؤه من القراءة، وكلاهما يؤمن بأن الأدب لا ينفصل عن الإنسان، وأن المعنى يتغير بتغير الزمن. وهذه نقاط اتفاق جوهرية لا يمكن إنكارها.

ولكن الاختلاف يبدأ من السؤال الأول. ياوس يسأل: كيف تلقى الناس النص؟ أما الحفر الثقافي الجدلي فيسأل: كيف تكوَّن النص أصلًا؟ وما القوى الثقافية والفكرية التي أنتجته؟ وما الذي أخفاه تحت ظاهره؟ وما الذي بقي صامتًا فيه عبر العصور؟ وما الذي يجعل نصًا ما قابلًا لإنتاج معانٍ جديدة دون غيره؟

ولهذا يبدأ الحفر الثقافي الجدلي من منطقة الصفر؛ أي من العودة بالنص إلى جذوره الأولى، قبل أن تتراكم عليه التأويلات، وقبل أن تفرض عليه القراءات اللاحقة معانيها. فالنص لا يولد في فراغ، وإنما يولد داخل ثقافة، ويتشكل داخل تاريخ، ويحمل في أعماقه آثار تلك البيئة، حتى وإن لم يصرح بها.

ثم تأتي مرحلة الحفر، وهي المرحلة التي يحاول فيها المنهج أن يكشف الطبقة الصامتة، والذاكرة التحتية، والعصب الجدلي، وأن يتتبع حركة المعنى من الداخل، لا من خلال القارئ وحده، بل من خلال العلاقات الخفية بين اللغة، والرمز، والتاريخ، والثقافة، والسلطة، والدين، والمجتمع. فالنص، في هذا المنهج، ليس مجرد بناء لغوي، ولا مجرد خطاب ثقافي، وإنما هو شبكة معقدة من العلاقات المتداخلة، لا يظهر معناها الكامل إلا بالحفر في أعماقها.

ولعل أكثر ما يميز الحفر الثقافي الجدلي، في نظري، هو أنه يتعامل مع التناقضات بوصفها مصدرًا للمعرفة، لا بوصفها خللًا ينبغي تجاوزه. فكل نص كبير يحمل في داخله صراعات لا يعلنها صراحة؛ صراعًا بين ما يريد أن يقوله وما يعجز عن قوله، وبين ما يعلنه وما يضمره، وبين ما ورثه من ثقافته وما يحاول التمرد عليه. وهذه التصدعات ليست عيوبًا في النص، وإنما هي العلامات التي تقود الناقد إلى أعماقه، لأنها تكشف البنية التي لا تظهر على السطح.

ومن هنا أرى أن جمالية التلقي والحفر الثقافي الجدلي ليسا خصمين، بل إن أحدهما يمكن أن يكمل الآخر. فجمالية التلقي تكشف لنا كيف عاش النص في وعي القراء، أما الحفر الثقافي الجدلي فيكشف كيف تشكل هذا النص قبل أن يصل إلى القارئ، وكيف أنتج آلياته الداخلية التي جعلته قادرًا على البقاء والتجدد عبر التاريخ.

ولذلك خرجت من قراءة هذا الكتاب وأنا أكثر اقتناعًا بأن النقد الأدبي لا يزال في حاجة إلى مناهج تتجاوز التقسيمات التقليدية بين المؤلف والنص والقارئ، وتعيد النظر في العلاقة بينهم جميعًا. وقد وجدت في كتاب ياوس خطوة كبيرة في هذا الاتجاه، لأنه أعاد الاعتبار لدور القارئ ولتاريخ التلقي، لكنني وجدت أيضًا أن الطريق لا ينتهي عند هذه الخطوة، بل يمتد إلى ما هو أبعد؛ إلى التنقيب في البنية الثقافية للنص، والكشف عن ذاكرته العميقة، وتتبع تحولات معناه من الداخل والخارج معًا، وهو ما يسعى إليه منهج الحفر الثقافي الجدلي بوصفه مشروعًا يربط النص بالتاريخ والثقافة والإنسان في شبكة واحدة، لا ينفصل فيها ظاهر النص عن باطنه، ولا الماضي عن الحاضر، ولا القراءة عن الجذور التي صنعت المقروء.

الكاتب والناقد والباحث خالد الحديديمصر

  • كاتب وناقد وباحث مصري
    كاتب وناقد وباحث مصري، حاصل على بكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة عين شمس، إلى جانب دبلومات متخصصة في الإعلام والصحافة، وتكوينات تدريبية بمعهد العالم العربي بباريس. راكم تجربة واسعة في المجالين الثقافي والإعلامي، حيث عمل محاضرًا بقصور الثقافة المصرية، واستشاريًا إعلاميًا، وصحفيًا وعضو هيئة تحرير بعدد من المجلات العربية والدولية، كما ينشط ضمن اتحادات وهيئات صحفية وثقافية عربية بأوروبا. تنوعت إصداراته بين الرواية والقصة والدراسات النقدية والفكرية والشعر، ومن أبرز أعماله: «امرأة من الجنوب»، «صرخة مومياء»، «أبيع ذاكرتي»، و**«منهج الحفر الثقافي الجدلي»**، إلى جانب دواوين شعرية ودراسات في النقد والثقافة. شارك في برامج إذاعية وثقافية متعددة، ونُشرت مقالاته في صحف ومجلات عربية ودولية. كما نال عدة جوائز أدبية، وشارك في لجان تحكيم ثقافية وأدبية عربية.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.