525 شكّل النقد الماركسي للفن، منذ بداياته التأسيسية، محاولةً جذريةً لربط الإبداع بسياقه الاجتماعي والاقتصادي، والنظر إلى العمل الفني بوصفه ممارسةً مشروطةً تاريخيًا، لا معطًى معزولًا أو جوهرًا متعاليًا. ففي التصوّرات الأولى المشتركة بين كارل ماركس وإنجلز، جرى إدراج الفن ضمن ما يُسمّى بـ«البنية الفوقية»، باعتبارها مرتبطةً، في مستوياتها العميقة، بالبنية التحتية الاقتصادية وبمنطق الصراع الطبقي. وقد أفضى هذا التصوّر، في كثيرٍ من قراءاته الاختزالية، إلى ردّ العمل الفني إلى مجرّد انعكاسٍ مباشر للواقع المادي، أو ترجمةٍ آليةٍ للتناقضات الاجتماعية السائدة. غير أنّ راهنية الفن المعاصر، وخاصةً داخل المجتمعات الاستهلاكية، تكشف عن توتّرٍ بنيويٍّ حادّ: فالفن اليوم يعيش على تخومٍ متناقضة بين كونه سلعةً قابلةً للتداول الجماهيري، تخضع لقوانين السوق ومنطق العرض والطلب، وبين كونه، في الآن ذاته، فضاءً نقديًا محتملًا، قادرًا على مقاومة التسليع وكشف آليات الاغتراب والتفاوت الاجتماعي. وهذا التوتّر لا يعبّر فقط عن أزمةٍ في وظيفة الفن، بل عن مأزقٍ حضاريٍّ أشمل يطال علاقتنا بالحقيقة والمعنى. في هذا السياق، يقدّم جان بودريار تشخيصًا راديكاليًا للواقع المعاصر، حين يبيّن أنّ ما نعيشه لم يعد واقعًا بالمعنى الكلاسيكي، بل «نسخةً عن نسخة»، حيث تذوب الحقيقة في زحام المحاكاة، ويُستبدل الواقع بما يسمّيه «الواقع المفرط». ضمن هذا الأفق، يفقد الفن كثيرًا من قدرته على التقاط نبض الشارع أو مساءلة الواقع، ليغدو، في أحيانٍ كثيرة، جزءًا من مشهدٍ بصريٍّ سطحي، زائفٍ في عمقه، تُستهلك فيه الصور بسرعة، وتُفرَّغ المعاني من كثافتها النقدية وزخمها الوجودي. أمام هذه التحوّلات العميقة، تبدو التصوّرات الكلاسيكية أو المثالية للفن عاجزةً عن الإحاطة بإحراجات الفن المعاصر ورهاناته. فإذا كانت مهمة الفن، تقليديًا، هي الكشف عن الحقيقة وتوليد الجمال، فإن شروط الإنتاج الثقافي اليوم تدفعنا إلى إعادة طرح السؤال من جديد: هل ما يزال بإمكان الفن أن يؤسّس لجدارةٍ نضالية، وأن ينتج أفقًا مقاومًا للسائد، ولوجع الوجود، ولأشكال الظلم والاغتراب والطبقية السيستامية التي تفرضها الرأسمالية المعاصرة؟ وهل يمكن للفن، داخل هذا العالم المُشبَع بالصورة والربح ومنطق الفرجة والاستهلاك، أن يساهم في بناء مشتركٍ إنسانيٍّ قادرٍ على صناعة المغاير، واستعادة المعنى، وتكريس أفقٍ إنسانيٍّ مؤنسِن؟ إنّ هذه الأسئلة لا تحيل إلى أزمةٍ جماليةٍ فحسب، بل إلى أزمةٍ سياسية-أخلاقية في صميم علاقتنا بالإبداع. فالفن اليوم محايثٌ، في أغلب تجلّياته، لإمبرياليةٍ رمزيةٍ عالمية، تسعى إلى احتوائه وتوظيفه داخل أجنداتها الإيديولوجية الضيقة. ومع ذلك، يظلّ الرهان مفتوحًا على إمكان فنٍّ يُفلت من آليات التدجين، ويستعيد قدرته على مساءلة الواقع، لا بوصفه مرآةً له، بل باعتباره فعلًا نقديًا يُعيد تشكيل الحسّ المشترك، ويفتح إمكان التفكير في حقيقةٍ أخرى، ممكنة، وإن بدت اليوم عسيرة المنال… الباحث ياسين ميمون – تونس