178 تروح وتجيء من أمامي مثل فراشة مبرقشة الألوان، بينما أبقى ساكنًا في مكاني على الكرسي القريب من النافذة الكبيرة التي تعبرها أشعة الشمس، وتلبد الغيوم نحوي كل صباح، وكذلك ضوء القمر وتلامع النجوم كل مساء. ترقص بخفة ورشاقة، لا تكاد قدماها تطآن أرض الغرفة حتى تعاودا القفز مرة أخرى، كما لو أنها تحلق بجنحين يخفقان مع نبضات قلبها وتتابع أنفاسها الخافتة. لا تصدر عنها كلمة أثناء تقديمها فقرة من أجدد عروضها التي تتدرب عليها في أحد مسارح العاصمة مع زملائها في فرقة الباليه التي أخذت تجذب الأنظار وتجوب العديد من المدن الكبيرة، كما صارت تسافر إلى البلدان المجاورة لتشارك في مسابقات تحلم أن توصلها ذات يوم إلى العالمية. تواصل التمايل أمامي، مرتدية فستانها القصير، فيما تتنقل نظراتي معها من جدار إلى آخر، ترقب ثنايا جسدها غير المستقرة على حال، وتعبيرات وجهها الهادئة، إلى حد أنها تبدو لي وكأنها نائمة، خاصة عندما تغلق عينيها بين حركة وأخرى. تضاعف من رغبتي في ضمها بقوة إلى صدري دون أن أترك لها مجالًا للرفرفة بعيدًا عني، ولتخفق بين ذراعيَّ المتصلبتين حول ظهرها في رقصة خاصة بي وحدي، لا أريد لها أن تنتهي أبدًا. إلا أني أخشى أن أنتزعها من سحر انطلاقها الجميل بين جدران تأخذ بالضيق من حولي حينًا بعد حين، فأهرع إلى مغادرتها نحو السهول الخضراء المحيطة بالمصحة من الخلف والجانبين، أما الواجهة فتطل على الشارع العريض الذي يخترق الضاحية الصغيرة. لا تعدو في نظر الكثيرين ممن تخترقها سياراتهم أكثر من عدة أبنية قديمة لا يوجد فيها ما يستحق التأمل ولو قليلًا. فقط ربما تقف إحدى تلك السيارات لأمر ضروري لا سبيل لتأجيله، أو لأجل رغبة ملحة بأخذ قسط من الراحة في الكافتيريا البسيطة التي تفترش أغلب كراسيها وطاولاتها الرصيف المواجه، مرورها السريع عادةً. يجاورها مطعم صغير يقدم وجبات سريعة ورخيصة للموظفين الذين يعملون في أماكن قريبة، وللمسنين الذين لا يجدون من يعد لهم الطعام في بيوتهم. أما الحانة التي تبدو كما لو أنها من عهود القرون الوسطى، فهي الأكثر استقطابًا للزبائن، منذ أن يفتح صاحبها العجوز بابها الخشبي العتيق قرابة الظهيرة حتى ساعة متأخرة من الليل. إلا أن الوجوه ذاتها تقريبًا هي التي تملأ المكان المعبق بالدخان ومزيج من روائح شتى أنواع الكحول الرديئة. أجد في الحقول مترامية الأطراف وسيلتي للهروب من كل ما أنفر منه ولا أطيق احتماله أكثر، من جسدي المعاق، وكل يوم أمضيه في محاولة خداع نفسي بأني قادر على التكيف مع أي موقف كان دون أن أمتلك أدنى قدرة على الاختيار. فأتمنى الضياع في الغابة الكبيرة وكثيفة الأشجار العالية والمحيطة بتلك الحقول من جهة، والبحيرة ذات المياه الرقراقة من جهة أخرى. رغم أني صرت أحفظ كل تفاصيل المكان، كأني أتجول بين غرف بيتي، لكني لم أعد أقوى على الركض، ولا حتى المشي طويلًا كما كنت في صغري أو مراهقتي، أو حتى سنوات شبابي الأولى. لذلك لا غنى لي عن الدراجة الهوائية التي ترافقني عادة في جولاتي هنا وهناك، بل أني ذات مرة تحديت بها كل المحظورات ووصلت بها إلى العاصمة، ورحت أجول بين شوارعها وساحاتها وميادينها لساعات، ثم قفلت عائدًا في ساعة متأخرة من الليل. كم مرة كادت تصدمني سيارة أو شاحنة تمر مسرعة في الطرق الخارجية الطويلة. لا أدري كيف ولماذا أنجو من مثل تلك الحوادث دومًا، مع أني كثيرًا ما أتمنى مثل ذلك الموت السريع والمفاجئ، وإن كنت أخشى أيضًا المزيد من الإعاقة التي قد تجعلني في نفس وضع حالات كثيرة وفدت المصحة على مر سنين إقامتي فيها، لا يستطيع أصحابها الحركة ولا حتى إطعام أنفسهم. مما يحطني وسط عواصف من التساؤلات المحيرة وثورات تمرد أخشى أن تجنح بي نهاية المطاف نحو مهاوي الجنون. لم أكن أجد منها فرارًا أينما وليت وجهي، فأبحث عنها دون أي شخص آخر، عن وجهها ذي اللمسات الطفولية البريئة، مع أنوثة ناضجة أخذت تروي سائر جسدها يومًا تلو الآخر منذ أن عبرتها نسمات المراهقة. فصارت لدي مثل البرية اليانعة في مواسم الربيع التي راحت تمر في تعاقب سريع عامًا تلو الآخر، حتى أدركت منتصف العقد الثالث من العمر دون أن يتغير شيء في حياتي سوى المزيد من التأملات والتوسلات المكبلة بمخالب الحرمان، تحفر في نفسي سخطها حينًا بعد حين. صديقتي الأثيرة، رغم أني أكبرها بنحو عشر سنوات، كنا نلعب كثيرًا في براح الطبيعة غير المنتهية مع مد البصر، منذ أن كانت تأتي برفقة والدتها، إحدى المعالجات اللواتي أشقين جسدي المتشنج بالتمارين الرياضية المملة بلا جدوى. كانت (مايا) تراقبها وهي تواصل حث أطرافي على الاستجابة لأوامرها حركة تلو أخرى، بينما تظل نظراتي معلقة بدهشتها نحو الفتى كثير العناد والتذمر، خاصة عندما يعتريه الخجل من تحديق الناس واستغرابهم لأمره، والشفقة تطل من العيون، كما لو أنها تتنبه إلى عالم آخر لا تعرف عنه شيئًا سوى التنهد والصمت، أو إعطاء النصائح والتوجيهات المتنقلة بين الألسن مثل محفوظة لا يمل من تكرارها. أما ما يسمونه بالتنمر، فأنا من اعتاد فعله مع من أجده يحاول مضايقتي بكلمة أو حتى تعبير وجه سخيف. لعل هذا أكثر ما جذبها نحوي، فوجدتها تعرض علي صداقة طفولية مجردة من أي غرض. رحبت بها بدوري، وقد لفت انتباهي جمالها ونعومتها، ضاحكة الوجه ما أن نبدأ اللعب، وإن كنت قد كبرت على ألعاب طفلة بعمر ست سنوات، والباكية عندما تجدني في حالة من الزهق والغضب الذي قد يجعلني أصرخ طويلًا في الجميع. إذ تتساقط عني الرهبة وتغادرني خشية المواجهة، غير آبه لأي تهديد يأتيني من المدير أو أي من معاونيه، ولا تذمر الأطباء والمعالجين والممرضين. حتى المشرفة النفسية لا تجد سبيلًا لتهدئتي بذات الكلام المكرور ونصائح السلوك السليم. ربما ما كان يشجعني على تلك التصرفات الرعناء تلك المبالغ التي يدفعها والدي سنويًا للمصحة، بالإضافة إلى ما كان يضعه تحت تصرف الإدارة في حال احتجت أي شيء. زاد على ذلك حساب البطاقة المصرفية التي صارت لا تفارق جيبي لأنفق منها كما أشاء. أحيانًا أصرف منها ببذخ جنوني، نكاية بالوالد الذي أزاح عن كاهله عبء مسؤولية ابن معاق يحتار كيف يمكن التصرف معه أو السيطرة على اضطراب سلوكه أمام صفوة المجتمع من السياسيين ورجال الأعمال في بلادهم. أما الأم الحبيبة، فأنا الذي أجبرتها أن تكف عن زياراتها لي كل عدة أشهر ما دامت التكنولوجيا قد وفرت لنا فرص التواصل كما لو أننا نجلس معًا في ذات المكان. وحتى تلك المحادثات رحت أختصرها قدر الإمكان، رغم معرفتي مدى شوقها للتواصل مع ابنها البعيد عنها منذ سنوات عمره الأولى، ورغم مدامع الغياب المتجددة كل حين، وكأن ليس هناك ما يمكن أن يقوله أحدنا للآخر. الكاتب أحمد غانم عبد الجليل