الأربعاء, أغسطس 5, 2026
الرئيسية » ياسر الخربطلي – سوريا: قصة قصيرة بعنوان « وراء الشمس »

ياسر الخربطلي – سوريا: قصة قصيرة بعنوان “وراء الشمس”

167 زائر 3 دقائق اقرأ

الأفكار تتطاير في رأسه كالشُّهب، والقدمان تبعثان بطلبٍ إلى الدماغ لتغيير طريق العودة من المدرسة إلى المنزل، فثمّة فائض من الوقت، وبسيّالة عصبية خاطفة جاء الردّ برسالة يمكن ترجمتها: «مع الموافقة».

جميلةٌ هي الطريق الجديدة… أبنيةٌ متناسقة الصفوف، مُنظَّمة التشييد، تقابلها حُزَمٌ من الأشجار الوارفة المُصطفّة كالعسكر…

هنا شعَر صُهيبٌ بشيءٍ من العنفوان نتيجة قراره الصائب بالمرور من هذا الحي، فإحدى مُقلتيه تغرف من خضرة الأشجار، والأخرى تنهل من بديع العمران… وفي غمرة هذه النشوة راح يدسّ يده في جيبه ليلتقط قطعة الشوكولا المتبقية، فهي كما تقول أمه: (تمنح الجسم طاقةً وحيويةً وتُبقي العقل مُتوقّداً يقظاً).

لكنْ قبل أن تصل أنامله إلى قعر جيبه، لفت انتباهه حركاتٌ من إحدى الشرفات، حتى راح ينظر بملء عينيه ليرى قضبانًا حديدية تغطي كل الشرفة من أسفلها إلى أعلاها وكأنها سجن! تمتد من بينها يدان قصيرتان عريضتان… وكأنهما مغناطيس جذب صهيبًا ليقترب ويقتل فضوله، فرفع رأسه ليرى أنّ هاتين الكفّين لمخلوقٍ بشريّ! حدَجه بطرفه وعلامات الاستغراب تتزاحم في وجهه، فقد شاهد إنسانًا مختلفًا غير بقية أصدقائه: رأسٌ صغير، وجهٌ مُسطّح، رقبةٌ قصيرة…

وبعفوية طفولية مسح تلك الصور التي تجمّعت في مخيلته كغمائم سوداء، وبدّدها بابتسامة أطلقها مدفع شفتيه لتسقط في قلب صاحب الكفّين وكأن بركانًا من الفرح والأمل تفجّر في محيّاه!!! ليُتبِع صهيب الابتسامة بقذيفة أخرى وهي حبّة الشوكولا التي اخترقت الفراغ بين الأعمدة واستقرّت في أرض الشرفة، ليُسارع الطفل بالتقاطها والتهامها… ووجهه يردّ لصهيب رشقاتٍ من تراتيل الشكر والعرفان!!

لوّح صهيب لصديقه الجديد بيده يستأذنه بالانصراف، ليُخرج الطفل يديه مجدّدًا من بين القضبان، وصهيب قد ظنّ للوهلة الأولى أنهما يدا أسيرٍ تستغيثان أو كفّا مسرورٍ ترقصان، لكنه تيقّن أنَّهما تريدان عناقًا حميمًا مع نظيرهما!!

وصل صهيب البيت وتناول دواءه على الفور، فهو يعاني من قصور كلويّ حاد، لكن تلك اللحظات جعلته ينسى مرضه الذي تعوّد عليه، ويسافر في عالم جميل آخر!

وأصبح لطريق العودة شوقٌ مُتأجّج، يُطفئه كل يوم برؤية صديقه الجديد… إلى أن فكّر بزيارته، فلم تعد تكفيه تلك اللقاءات الصُّورية، ثم إن الصداقة الحقيقية لا تقتصر على تواصلٍ عن بُعد أو تبادلٍ لتقاسيم الوجوه وتوصيف المشاعر، بل هي تلاقٍ للأرواح، وذوبانٌ للأجساد…

وها هو صهيب ينتظر ليلج قلب صديقه… فُتح الباب، وانهالت عليه سهام الترحيب… وقبيل اللقاء أخبر الأب صهيبًا بأن صديقه يحمل اسم “زين”، مصاب بمرض متلازمة داون، وشرح له طبيعة المرض وكيفية التعامل معه، لكن صهيبًا لم يكن يهمّه كل ذلك، فهو يتقبّل صديقه بأيّة حال…

جاء زين وركض بخطوات مضطربة باتجاه صهيب ليحتضنه ويُربّت على كتفيه…

نظر زين في وجه صهيب وخرجت من فيه عبارة:

ـ أنت فخامة.

ليردّ صهيب بضحكة دافئة كشمس الربيع:

ـ أنت زينُ الأصدقاء.

سأل صهيب أبا زين:

ـ لماذا لا تسمح له بالخروج من المنزل؟

الأب: نخشى أن يتسبب بالأذى لنفسه أو لغيره.

صهيب: لا أرى فيه اختلافًا… إنه كباقي البشر… يمكن أن تخرج معه ويكون تحت مراقبتك وعنايتك.

الأب: لست مُضطرًا لتحمّل أي عبء… هو يأكل ويشرب ويلهو ولا ننقص عليه شيئًا… فغرفته تحوي ما يحتاجه.

صهيب: العصفور في القفص لا يحتاج إلا إلى الحرية… وأنت تحبس ابنك وتمنع روحه متعة التحليق في الفضاء الرحب…

حاول الأب أن يتهرّب من أشواك كلمات صهيب التي آلمته بعد أن انغرست في صميمه…

ولكن صهيبًا بقي يزور صديقه، ويُحاول في كل مرة أن يُقنع الأب بالسماح لزين بالخروج، إلى أن نجح في ذلك… وكأنه نصرٌ مُبين له!!

اصطحب صهيب مرةً صديقه إلى الملعب… وهناك تفاجأ بقية أصدقائه بهيئة زين، فاجتمعوا حوله وأظهروا إشارات الامتعاض، ليتجرّأ أحدهم بالقول:

ـ اليوم سنستمتع أكثر… فهناك مهرّج للتسلية.

قهقه الجميع، وهنا شزر صهيب صديقه الذي تفوّه بتلك الكلمات ليردّ عليه مباشرة:

صهيب: لو كنتَ مثله، فهل تراني أتخلى عنك؟! هل صداقتنا مبنية على أساس مظاهرنا؟! هل إن تغيّرت أشكالنا انقلبت قلوبنا؟!

وجم صديقه قليلًا وكأن طائر الندم حطّ على رأسه، ثم اقترب من زين وابتسم له وأعطاه الكرة وقال:

ـ هيا يا صديقي… سدّد… هيا.

ارتفعت بقية الأصوات تطلب من زين ركل الكرة، أحسّ زين بالحماس، أسرع إلى الكرة وركلها لتدخل المرمى بحركة مُصطنعة من الحارس الذي أجاد التمثيل، وهرع الجميع إلى زين وحملوه على الأكتاف يهتفون:

ـ زين بطل… زين بطل.

وزين يردّد:

ـ أنتم فخامة.

وهكذا… وزين البطل يكرر بطولاته مع صديقه صهيب في المسبح، في مدينة الألعاب، في الحدائق…

لكن مرّ أسبوع وصهيب “الفخامة” لم يحضر إلى بيت زين… ماذا حدث؟ هل تخلّى عن صديقه؟ وبدأت مراجل القلق تغلي داخل زين، لا يردّد سوى عبارة واحدة:

ـ صهيب فخامة… صهيب فخامة…

كان لزامًا على الأب أن يتحرّك، فتذكّر أنه يملك رقم هاتف صهيب، فأسرعت أنامله تضرب الأزرار بخوف وتشتّت…

الأب: ألو… السلام عليكم… هنا منزل صهيب.

ـ نعم.

الأب: أريد محادثته.

ـ صهيب في المشفى… ارتفعت حرارته فجأة… وضعه حرج… كليتاه متوقفتان عن العمل… يحتاج إلى زراعة فورية… ولا نجد متبرعًا… نطلب الدعاء له.

قصم الخبر الأب كما تقصم الصاعقة جذع شجرة…

الأب: قلوبنا مع صهيب… نأمل له الشفاء.

كان زين يراقب الموقف وينصت وكأنه أدرك الحكاية…

ثم اختفى زين…

يا إلهي… أصبحت المصيبة مصيبتين!

عُثر عليه في المشفى، حيث كان صهيب على السرير، يحاصره الأطباء والممرضون…

وهو يضع يده على خاصرته وكأنه يريد أن ينتزع منها قطعة ما، ويصرخ:

ـ صهيب فخامة… صهيب فخامة…

دنا الأب من ابنه وخيّم صمتٌ مهيب…

ثم قرّب الأطباء السريرين من بعضهما، فامتدت الأيادي وتعانقت وتشبّكت…

لكن هذه المرة… عناقًا حقيقيًا… ليس من خلف القضبان…

النهاية

الكاتب ياسر الخربطليسوريا

  • كاتب سوري
    سورية - إدلب إجازة في اللغة العربية الخبرات: مدقق لغوي عضو سابق في مركز البناء الإنساني في دمشق أحمل شهادات في تمكين اللغة العربية والتخطيط التربوي والاستراتيجي كاتب محتوى عملت مع جهات كثيرة في كافة الاختصاصات السابقة كاتب في مجال القصة والخاطرة والمقالة شهادة في الموارد البشرية

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.