544 كانت بنتًا متواضعة… جميلة في بساطتها التي تجذب كل من رآها… تلقائية… غير متكلّفة… ابتسامتها ساحرة… وجدت نفسها ذات يوم في سُلّم المصعد… معه… كهل أسمر حنطي… طويل القامة… رشيق عمومًا… ابتسم لها ابتسامة إعجاب، فبادلته الابتسامة… وارتعشت يداها وهي تنتظر الوصول إلى الطابق الرابع بفارغ الصبر، إذ أحسّت أن الصمت ضجّ بكلام كثير في عينيه… وفي اضطرابه… يريد التحدث لها، ولا يجد ما يقول… أخيرًا توقّف المصعد في الطابق الرابع… وخطت الخطوة الأولى للخروج… فوجدته ينزل معها من المصعد… ويمشي خطوات متظاهرًا بقراءة بعض لافتات المكاتب المجاورة… لم تعره اهتمامًا… وولجت مكتبها، في حين توقّف هو أمام باب مكتبها، وقرأ: الدكتورة مريم عبد المنتصر… إذا ما قاله صديقه صحيح، فهي فتاة معتدّة بنفسها، صعب أن تتواصل معها… وصعب أن تضعف أو تتصرّف تصرّفات عادية كتصرفات الفتيات من دلع وغنج ودلال… تغيّرت ملامح وجهها، واستغربت من تصرّفات هذا الكهل الغريبة… لكنها سريعًا ما قالت في نفسها: قد يكون محاميًا أو عدل إشهاد… أو سمسارًا يبحث عن مكتب لاستئجاره والعمل به… وغدًا سيتّضح أمره… قضت يومها في استقبال المرضى، ونسيت أمر هذا الرجل الذي بدا لها غريب الأطوار… دخلت الممرضة مع الثانية بعد الظهر لتعلّمها أنه لم يعد في قاعة الاستقبال أي مريض، وأن وقت المغادرة قد حان… نزعت المئزر الأبيض، وعلّقته في مجذب وراء الباب، وأصلحت مكياجها الخفيف، وسرّحت شعرها الفاحم، وتركت مفاتيح العيادة عند الكاتبة، وودّعتها، وغادرت، لتقف أمام المصعد… وما إن همّت بالصعود، حتى وجدته، هو كالعادة، الكهل الأسمر، ثقيل الظل… والهدوء المستفز، وبدت منه زفرة تأوّه من حرارة الطقس، والتفت إليها قائلًا: صيف هذه السنة غير عادي. تأفّفت من سلوكه، وقالت: كل شيء صار بشعًا وغير عادي… ماذا سنفعل؟ سوى أن نصبر. مع حرارة الطقس وثقل هذا الشخص غريب الأطوار، شعرت مريم باختناق، ورجت من الله أن يصل المصعد إلى الطابق صفر بسرعة وسلام… لأنها لم تعد تحتمل حقًا. وفعلًا كان لها ذلك، ونزلت تحثّ الخطى نحو سيارتها… فإذا به يلحق بها بخطى واسعة قائلًا: هل أوصلك؟ لم تلتفت إليه ولم تكلمه، بل عبّرت عن اشمئزازها بضم شفتيها إلى بعض، وامتطت السيارة لاعنة هذه الأشكال المتطفّلة. في حين نظر لها نظرة فيها ابتسامة مقيتة زادت في حنقها… فغادرت المكان، وكلمات متقطعة تردّدها شفتاها. وهو يقول: سأصبر… وتصيرين قطة وديعة، أيتها المهرة العنود… الأيام بيننا يا حلوتي… وتكرّرت العملية، وأصبحت شغله الشاغل… مطاردتها… وملاحقة خطواتها… بصفة مستمرّة… جعلتها تحتار في أمره، وكلما رأته غلبتها الابتسامة، لأن الأمر صار فعلًا يدعو إلى الرغبة في سبب ملاحقتها، خاصة أن كل الشقق في الطوابق العليا مؤجّرة للأطباء ومحامين ومهندسين… وذات يوم… صعدت معه المصعد وابتسمت له، وقالت: هل تمرّ على عيادتي بعد منتصف النهار؟ فشعّ من عينيه وميض فرح حاول كبحه، لكنه فشل: بكل سرور، أيتها الجميلة… بكل سرور. كان في نية مريم أن تسأله على سبب مطاردته لها بهذه الصفة… وأن يبرّر ذلك بكل وضوح. تركته أمام المصعد، وهمّت بالدخول للعيادة… ثم المكتب، قبل مجيء أي مريض. خرجت من مكتبها ثانية، فسمعته يكلّم شخصًا هاتفيًا، قائلًا بصوت فيه فخر وانتصار: أحضر الألفين، الفرس المخيفة صارت قطة وديعة… وأصبحت تذوب في حبي… اعترف أنني كسبت الرهان. لا بد أن تعترف عندما ترى ذلك بعينيك… لم تكمل سماع بقية المكالمة، وتقَهقرت إلى الوراء… ودخلت مكتبها. وواصلت عملها في شيء من الدهشة والاستياء من سلوك هذا الكهل المريض نفسانيا. قبل منتصف النهار بدقائق، أعلمت الكاتبة مريم أن الكهل الغريب في قاعة الاستقبال مع المرضى ينتظرها… فابتسمت وقالت لها: دعيه ينتظر… لقد طلبت منه ذلك. لم يمض وقت قصير حتى غادر كل المرضى بعد الفحص، فأغلقت الباب، وصاحت فيه مباشرة: لماذا تطاردني من مكان لآخر؟ لماذا تزعجني كل يوم، وتفسد عليّ يومي بملاحقتي؟ هل كلّفك أحد بذلك؟ هذا نوع من المراهقة المتأخرة… كان عليك أن تهتم بشغلك وأهلك بدل الجري وراء الرهانات الفاشلة… لو رأيت وجهك مرة أخرى في هذا المبنى، سأبلّغ عنك الشرطة، فهمت؟ أعلمت الآن أنني لست قطة وديعة؟ غُر من عيادتي بسرعة. لم ينبس ببنت شفة… وانطفأ ذلك الغرور الذي كان ثوبًا له… وغادر المكان وهي تدفعه. وما إن خرج حتى وجد صديقه الذي تراهن معه، يبتسم بسخرية كبيرة، وهو ينظر له نظرة استصغار. فاطمة الزهراء بنانيكاتبة وشاعرة – تونس