السبت, أكتوبر 17, 2026
الصفحة الرئيسية نصوص روائية هويدا حجاجي أحمد – مصر: مقتطف من رواية “امرأة من زمن الحلم” بعنوان “رسالة من فتحي… مساءٌ يعرفنا”

هويدا حجاجي أحمد – مصر: مقتطف من رواية “امرأة من زمن الحلم” بعنوان “رسالة من فتحي… مساءٌ يعرفنا”

51 زائر 7 دقائق اقرأ

لم أكن أعرف أن بعض الرسائل تستطيع أن تعيد ترتيب المساء في داخلنا، وأن كلمات قليلة قد تفعل ما تعجز عنه ساعات طويلة من الحديث، وأن هناك أشخاصًا لا يحتاجون إلى أن يشرحوا لنا ما يشعرون به، لأنهم يعرفون الطريق إلى الأماكن التي نخفيها حتى عن أنفسنا.

كنت أجلس إلى جوار النافذة، أراقب انطفاء النهار على مهل، وأحاول أن أقنع نفسي بأن الأيام تمضي، وأن ما يتركه الغياب في أرواحنا لا بد أن يهدأ يومًا، ولو قليلًا. كان أمامي فنجان قهوة لم أمد يدي إليه منذ دقائق، تتصاعد منه خيوط رقيقة من البخار، ثم تتلاشى في الهواء كأنها أحلام صغيرة لم تجد من يحتفظ بها. وعلى المكتب كانت كراستي مفتوحة، والقلم مستقر بين أصابعي، لكنني لم أكتب شيئًا.

كنت أبحث عن جملة تشبهني، عن كلمة أستطيع أن أبدأ بها، عن نافذة صغيرة أعبر منها إلى نفسي، فإذا بالهاتف يضيء فجأة، ويقطع سكون الغرفة بإشارة قصيرة لم أكن أتوقعها.

نظرت إليه بلا اكتراث في البداية، ثم التقطته، وما إن رأيت اسم فتحي حتى شعرت بأن شيئًا ما تحرك في داخلي، كأن قلبي الذي اعتاد الصمت منذ أيام تذكر فجأة أنه ما زال قادرًا على الخفقان بطريقة مختلفة.

لم أفتح الرسالة على الفور. ظللت أحدق في اسمه طويلًا، وفي رأسي أسئلة كثيرة لا أعرف من أين جاءت؛ ماذا يريد أن يقول هذه المرة؟ هل كتب لي شيئًا عن المدرسة، أم عن كتاب قرأه، أم عن فكرة أثارت جدلًا في رأسه وأراد أن يضعها أمامي كي نختلف حولها كعادتنا؟

كنت أعرف أن فتحي لا يرسل الكلمات لمجرد ملء الفراغ، وأنه حين يختار عبارة فإنه يترك خلفها مساحة واسعة للتأمل، كأنه لا يريد أن يمنحني الإجابة كاملة، بل يدعوني إلى أن أبحث عنها بنفسي.

فتحت الرسالة، فظهرت أمامي كلماته:

«يا لهذا المساء..! كيف أسكنت السعادة في فنجانٍ دافئ وطبيعة لا تسألنا من نكون؟»

قرأت الرسالة مرة، ثم أعدت قراءتها ببطء، كأنني أخشى أن تفلت مني نبرة خفية بين الكلمات. لم تكن رسالة طويلة، ولم يكن فيها اعتراف مباشر أو حديث عن الشوق، لكنها حملت شيئًا من ذلك الهدوء الذي كنت أفتقده، شيئًا يجعل العالم أقل صخبًا، ويمنح الأشياء البسيطة حقها في أن تكون جميلة دون أن تضطر إلى تبرير جمالها.

توقفت عند عبارة «طبيعة لا تسألنا من نكون»، وشعرت أن فتحي لم يكن يتحدث عن الأشجار والسماء والهواء وحدها، بل عن ذلك المكان الذي يستطيع الإنسان فيه أن يتخفف من كل ما يطارده في حياته اليومية؛ من الألقاب التي تُلصق به، والتوقعات التي تُفرض عليه، والأسئلة التي لا تنتهي، والأحكام التي تسبق معرفته.

ربما كان يتحدث عن مساء جلس فيه وحده أمام فنجان قهوة، وأحاطت به الطبيعة في صمتها الواسع، فشعر للحظة أنه لا يحتاج إلى أن يثبت شيئًا لأحد، ولا إلى أن يدافع عن اختياراته، ولا إلى أن يشرح لماذا هو على هذه الصورة دون غيرها.

وربما كان يريد أن يقول لي إن السعادة لا تأتي دائمًا في هيئة حدث كبير، ولا تحتاج إلى مناسبة استثنائية كي تزورنا؛ أحيانًا تسكن فنجانًا دافئًا، ونسمة عابرة، وشجرة تميل أغصانها مع الهواء، وسماء لا تعرف أسماءنا لكنها تتسع لنا جميعًا.

وضعت الهاتف بجواري، ومددت يدي إلى فنجاني، فوجدت القهوة قد بردت قليلًا، لكنني شربت منها رشفة صغيرة. لا أعرف لماذا شعرت في تلك اللحظة أنني أراه أمامي، جالسًا في مكان هادئ، ربما بعيدًا عن ضجيج الناس، يراقب الطبيعة بعينين تعرفان كيف تلتقطان ما يغيب عن الآخرين.

تخيلت يده وهي تحمل الفنجان، وطريقته في التأمل قبل أن يكتب، ثم ابتسمت وحدي.

كان في وسعي أن أرد عليه بجملة بسيطة، أن أقول له إن المساء جميل، وإن القهوة تكون أطيب حين نجد من نتبادل معه الكلمات، لكنني كنت أعرف أن فتحي يحب أن يجد في الرد أكثر من تكرار ما قاله، وأنه لا يرسل إليّ عبارة كي أعيدها إليه في صياغة أخرى، بل لأنه يريد أن يرى كيف ستتحرك الفكرة في رأسي، وإلى أي مكان ستأخذني.

أمسكت بالقلم وكتبت على طرف الكراسة: «ربما لأن الطبيعة وحدها لا تطلب منا أن نكون شيئًا غير أنفسنا».

ثم توقفت.

شعرت أن العبارة قريبة مما أريد، لكنها لم تكن كافية. أضفت: «في حضرة الأشياء البسيطة، نتذكر أننا لسنا مضطرين إلى خوض معركة كل يوم كي نستحق الراحة».

قرأت ما كتبت، ثم حذفت الجملة الثانية. لم أكن أريد أن أحوّل رسالته إلى درس، ولا أن أثقل مساءه بما يزدحم في رأسي من أسئلة. كنت أريد أن أشاركه اللحظة، لا أن أشرحها له.

كتبت من جديد: «ربما لأن الطبيعة تمنحنا ما لا يمنحه الناس أحيانًا؛ أن نكون كما نحن، دون أن نسأل أنفسنا كل لحظة كيف نبدو في أعين الآخرين. فنجان دافئ، ومساحة من الصمت، وقلب لا يضطر إلى الدفاع عن نفسه… أليست هذه بعض أشكال السعادة؟»

أرسلت الرسالة، ثم وضعت الهاتف على المكتب، وشعرت بأنني فعلت شيئًا صغيرًا لكنه مهم. لم أكن قد حللت مشكلة، ولم يتغير شيء من الحقائق التي تثقلني، لكنني خرجت قليلًا من عزلتي، وفتحت نافذة بيني وبين شخص يعرف كيف يترك للكلمات مكانًا تتنفس فيه.

انتظرت رده دون أن أعترف لنفسي بأنني أنتظره. عدت إلى الكراسة، وكتبت سطرًا جديدًا، ثم رفعت رأسي كلما أضاء الهاتف أو تحركت الشاشة.

كنت ألوم نفسي على هذا الترقب، ثم أبتسم، لأنني أدركت أنني مهما حاولت أن أبدو مستقلة عن الأشياء، فإن بعض الرسائل تظل قادرة على أن توقظ فينا تلك الفتاة التي تنتظر كلمة من شخص تحترم عقله، وتأنس بحضوره، وتجد في اختلافه معها متعة لا تجدها في اتفاق الآخرين.

لم يكن الأمر مجرد انتظار لرد، بل كان انتظارًا لتلك المساحة التي يفتحها الحوار بين شخصين حين لا يكتفي أحدهما بأن يسمع الآخر، بل يحاول أن يرى العالم من زاويته أيضًا.

وبعد دقائق، أضاء الهاتف. كانت رسالة جديدة من فتحي، لكنني لم أفتحها بسرعة هذه المرة.

أخذت نفسًا هادئًا، ثم قرأت:

«السعادة يا حفيدة العقاد ليست دائمًا في امتلاك الأشياء، بل في أن نكفّ قليلًا عن مطالبة الأشياء بأن تمنحنا ما لا تستطيع. بعض الأمسيات لا تحتاج إلى تفسير، وبعض القلوب يكفيها أن تجد من يفهم صمتها».

توقفت عند كلماته الأخيرة. «يكفيها أن تجد من يفهم صمتها». شعرت أن العبارة لمست شيئًا في داخلي لم أكن مستعدة للكلام عنه.

كم مرة حاولت أن أشرح ما أشعر به، فخرجت الكلمات أقل من إحساسي، أو أكثر ارتباكًا منه؟ وكم مرة تمنيت أن يجلس أحدهم إلى جواري دون أن يسألني لماذا أنا صامتة، أو أن يترك لي الوقت كي أجد طريقي إلى الكلام بنفسي؟

كان فتحي يعرف أنني لا أصمت دائمًا لأنني لا أملك ما أقوله، بل لأن ما بداخلي يكون أحيانًا أكبر من أن تحمله جملة واحدة. وربما لهذا كنت أرتاح إلى الحديث معه؛ لأنه لا يتعامل مع صمتي بوصفه فراغًا ينبغي ملؤه، ولا مع أسئلتي بوصفها عبئًا ينبغي التخلص منه.

كان يترك لي المساحة، ثم يقترب من الفكرة دون أن ينتزعها من يدي.

كتبت له: «وهل يفهم أحدنا صمت الآخر حقًّا، أم أننا نتعلم فقط كيف نصغي إليه دون أن نخترع له تفسيرًا؟»

وما إن أرسلت السؤال حتى شعرت أنني أعود إلى عادتي القديمة؛ أبحث عن معنى خلف المعنى، وأفتح بابًا جديدًا كلما أوشكت الحكاية على الهدوء. لكنني لم أندم. كنت أحب هذه المسافة بيننا، المسافة التي لا تُقاس بعدد الكلمات، بل بقدرتنا على أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نسأل دون أن نخاف من الإجابة.

جاءني رده بعد قليل:

«ربما لا نفهم الصمت كله، لكننا نستطيع ألّا نؤذيه. وهذا في رأيي بداية الفهم».

بقيت أقرأ العبارة طويلًا. لم تكن شاعرية بقدر ما كانت صادقة، ولم تكن وعدًا بأن أحدًا سيستطيع فهمنا كاملين، لكنها أعادت إليّ فكرة كنت أحتاج إلى تذكرها: ليس على الآخرين أن يعرفوا كل ما فينا كي يكون حضورهم رحيمًا، وليس علينا أن نشرح أنفسنا حتى آخر تفصيل كي نستحق أن يُصغى إلينا.

أحيانًا يكفي أن نجد إنسانًا لا يسخر من ارتباكنا، ولا يستعجل حزننا، ولا يحوّل اختلافنا إلى تهمة. إنسانًا يترك لنا حقنا في أن نكون ناقصين، مترددين، متغيرين، وأن نبحث عن أنفسنا دون أن يفرض علينا صورة جاهزة ينبغي أن نطابقها.

أغلقت الهاتف، وذهبت إلى النافذة. كان المساء قد استقر تمامًا، والسماء تتدرج بين زرقة داكنة وأطراف من الضوء الباقي، فيما بدت الأشجار في الشارع كأنها تستعيد أنفاسها بعد يوم طويل.

لم تكن الطبيعة تسألني من أكون، ولم تكن السماء تنتظر مني تفسيرًا لدموعي، ولم يكن الهواء يطالبني بأن أبدو قوية. كل شيء كان موجودًا في مكانه، وأنا وحدي كنت أتعلم كيف أكون موجودة في مكاني، دون أن أستنزف نفسي في محاولة فهم كل ما يدور حولي.

فكرت في فتحي، في طريقته في اختيار الكلمات، وفي تلك القدرة التي يملكها على أن يضع فكرة صغيرة أمامي ثم يتركني أذهب بها بعيدًا. لم أكن أعرف إن كان يدرك أثر رسائله في نفسي، ولا إن كان يتخيل أن عباراته العابرة قد تبقى معي بعد انتهاء المساء.

لكنني كنت أعرف أن بعض الأشخاص يتركون في أيامنا نوافذ صغيرة، لا يغيرون بها العالم كله، وإنما يمنحوننا فرصة لنراه بطريقة أقل قسوة.

عدت إلى مكتبي، ورفعت الفنجان إلى شفتي، ثم فتحت الكراسة وكتبت: «يا لهذا المساء… كيف استطاعت رسالة قصيرة أن تجعل الأشياء أكثر قربًا، وأن تذكرني بأن السعادة ليست دائمًا في أن يتغير العالم من حولنا، بل في أن نجد لحظة واحدة لا نضطر فيها إلى مقاومته؟»

وضعت القلم، وتأملت ما كتبت، ثم أضفت تحت السطر: «ربما لهذا نحتاج إلى بعض الأشخاص؛ لا لأنهم يملكون حلولًا لكل ما يؤلمنا، بل لأن حضورهم يجعلنا نشعر أن الحياة، رغم كل ما فيها، ما زالت تتسع لفنجان دافئ، وكلمة صادقة، ومساء لا يسألنا من نكون».

لم أرسل إليه هذه الكلمات. احتفظت بها في كراستي، لا لأنني أخفيها عنه، بل لأنني شعرت أنها تخصني هذه المرة، وأن بعض ما تمنحه لنا اللقاءات ينبغي أن يبقى في داخلنا قليلًا، حتى نفهم ما الذي تغيّر فينا.

وفي تلك الليلة، لم أطلب من المساء أن يعدني بشيء، ولم أحاول أن أستخرج من رسالة فتحي معنى أكبر مما تحتمل. اكتفيت بأنني تلقيت كلماته، وأنني رددت عليها، وأن بيننا حوارًا صغيرًا جعل المساء أقل وحدة.

وربما كانت هذه هي السعادة التي كتب عنها؛ أن نعثر، وسط عالم لا يكف عن سؤالنا ومحاسبتنا وتصنيفنا، على لحظة لا نكون فيها مطالبين بأن نثبت شيئًا، ولا أن نخفي شيئًا، ولا أن نبدو على غير حقيقتنا. لحظة نكون فيها نحن، بكل ما نحمله من أحلام وارتباك وأسئلة، ثم نكتشف أن ذلك يكفي.

أما رسالته، فقد بقيت في هاتفي، وعدت إليها أكثر من مرة قبل أن أنام. لم أكن أحفظ كلماتها فحسب، بل كنت أحفظ الإحساس الذي تركته فيّ؛ إحساسًا هادئًا لا يَعِد بشيء، ولا يطلب شيئًا، لكنه يترك في الروح أثرًا يشبه الضوء حين يدخل غرفة مغلقة من شق صغير.

وللمرة الأولى منذ وقت طويل، لم أحاول أن أعرف ماذا سيحدث غدًا.

تركت الغد للغد، وأغمضت عينيّ، وفي داخلي فنجان دافئ، وطبيعة لا تسألني من أكون، ورسالة من فتحي جعلت المساء يبدو، ولو قليلًا، كأنه يعرفني.

هويدا حجاجي أحمد
كاتبة وروائية – مصر

  • كاتبة وروائية مصرية
    هويدا حجاجي أحمد كاتبة وروائية مصرية كاتبة وروائية مصرية تُعنى بالأدب الوجداني والدراما الواقعية، وتتميّز أعمالها بعمق إنساني ولغة شاعرية تمزج بين الرمز والعاطفة. قدّمت مجموعة من الأعمال القصصية من بينها «سيدة الياسمين» ضمن مجموعتها الكاملة، إضافة إلى نصوص رمزية وتأملية مثل «وجه لا يُرى إلا في الهدوء» و«حين تهدأ الفكرة». تلامس كتاباتها قضايا الإنسان والذاكرة والحب والصمت، وتقدّم رؤى سردية تنبض بالحسّ الأنثوي والنَفَس الفلسفي. ظهرت نصوصها في منصّات أدبية متعددة، وتواصل بناء مشروعها السردي بخطى ثابتة، طامحة إلى ترك بصمتها المميّزة في المشهد الأدبي المعاصر.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.