الأحد, أكتوبر 11, 2026
الصفحة الرئيسية الرواية والقصة هدى حجاجي أحمد – مصر: نصّ بعنوان “حين كتبت هالة عن الوهم”

هدى حجاجي أحمد – مصر: نصّ بعنوان “حين كتبت هالة عن الوهم”

من رواية إمرأة من زمن الحلم

55 زائر 2 دقائق اقرأ

في مساء اليوم نفسه، وبعد أن هدأت ضوضاء المسابقة وعاد كل شيء إلى مكانه، جلست هالة إلى مكتبها، وأخرجت كراستها. لم تكن تريد أن تكتب عن المسابقة، ولا عن الأسئلة، ولا حتى عن المدرس الجديد الذي دخل عالم المدرسة فجأة وترك وراءه بعض النظرات التي لم تفهمها تمامًا.

كانت هناك فكرة أخرى تضغط على رأسها.

فتحت الصفحة البيضاء، وظلت لحظات تحدق فيها، ثم كتبت:

«رمت نفسها من الشرفة، فقط لترى إن كانت لهفتي ستصل قبل الأرض، فماتت قبل النزف خذلانًا.»

توقفت.

أعادت قراءة الجملة.

لم تكن الحكاية عندها عن الموت بقدر ما كانت عن الوهم. عن إنسان يختبر حب الآخر بأقصى طريقة ممكنة، ثم يكتشف في اللحظة الأخيرة أن الاختبار نفسه كان أكبر من قدرة الحب على الإجابة.

كتبت تحتها:

«الوهم كبير حين نصدقه.»

ثم بدأت تكتب القصة.

كانت فتاة تقف خلف شرفة عالية، تنظر إلى الشارع، ولا تفكر في السقوط بقدر ما تفكر في الشخص الذي تركها معلقة بين الحضور والغياب. كانت تريد أن تعرف: هل سيجري نحوها إن حدث شيء؟ هل سيصرخ باسمها؟ هل ستسبق لهفته سقوطها؟

لكنها لم تكن تعرف أن بعض الأسئلة حين نضعها أمام الموت لا تمنحنا إجابة، بل تمنحنا خسارة لا يمكن استردادها.

كتبت هالة:

«كانت تظن أن الحب يقاس بسرعة الوصول، وأن الرجل الذي يحبها لا بد أن يكون أسرع من سقوطها، وأن اللهفة تستطيع أن تهزم المسافة والوقت والجاذبية. لم تعرف أن الحب ليس سباقًا مع الأرض، وأن الإنسان الذي يحبك لا يجب أن يُجبر على إثبات حبه عبر كارثة.»

ثم توقفت طويلًا.

كانت الجملة الأخيرة هي التي أوجعتها.

لأنها لم تكن تتحدث عن الفتاة وحدها.

كانت تتحدث عن كل الذين يختبرون مشاعر الآخرين، يبتعدون ليروا من سيتبعهم، يصمتون ليروا من سيسأل عنهم، يثيرون الغيرة ليتأكدوا من الحب، ثم يغضبون حين تأتي النتيجة مختلفة عما تخيلوه.

كتبت:

«ربما لم تمت الفتاة لأنها سقطت، بل لأنها صدقت أن الحب يحتاج إلى دليل بهذه القسوة. وربما كان خذلانها الحقيقي أنها لم تعرف أن من يحبها كان يمكن أن يقول لها: أنا أحبك، دون أن يطلب منها أن تموت كي يتأكد.»

وضعت القلم جانبًا.

دخلت أمها الغرفة وسألتها:

— بتكتبي إيه يا هالة؟

قالت:

— قصة قصيرة.

— عن إيه؟

ابتسمت هالة:

— عن الوهم.

هزت أمها رأسها وغادرت، بينما عادت هالة إلى الصفحة.

كتبت في آخر القصة:

«الوهم كبير حين نصدقه؛ لأنه لا يحتاج إلى دليل كي يعيش، يكفي أن نمنحه قلبنا. وحين نصدقه أكثر مما ينبغي، قد يجعلنا نطلب من الآخرين أن يثبتوا حبهم بطريقة لا يستطيعون النجاة منها.»

ثم أغلقت الكراسة.

وفي اليوم التالي، كانت القصة معها في المدرسة.

لم تكن تعرف أنها ستترك أثرًا مختلفًا هذه المرة، لأن فتحي سيقرأها، ولن يتوقف عند فكرة السقوط وحدها، بل سيتوقف عند السؤال الذي تخفيه القصة:

هل كان في حياتها شخص يجعلها تحتاج إلى اختبار لهفته؟

وحين وقعت عيناه على السطر الأخير، قال في نفسه:

«الوهم كبير حين نصدقه… لكن أحيانًا الإنسان لا يعرف أنه يعيش في الوهم إلا بعد أن يدفع ثمن تصديقه.»

ثم أغلق الكراسة بهدوء.

ولأول مرة، لم يكن يريد أن يسأل هالة:

«القصة عن مين؟»

كان يريد أن يسألها سؤالًا أصعب:

«إنتِ ليه بتكتبي عن ناس بتختبر الحب بدل ما تطلبه؟»

ھدى حجاجي أحمد
كاتبة وروائية – مصر

  • كاتبة وروائية مصرية
    هويدا حجاجي أحمد كاتبة وروائية مصرية كاتبة وروائية مصرية تُعنى بالأدب الوجداني والدراما الواقعية، وتتميّز أعمالها بعمق إنساني ولغة شاعرية تمزج بين الرمز والعاطفة. قدّمت مجموعة من الأعمال القصصية من بينها «سيدة الياسمين» ضمن مجموعتها الكاملة، إضافة إلى نصوص رمزية وتأملية مثل «وجه لا يُرى إلا في الهدوء» و«حين تهدأ الفكرة». تلامس كتاباتها قضايا الإنسان والذاكرة والحب والصمت، وتقدّم رؤى سردية تنبض بالحسّ الأنثوي والنَفَس الفلسفي. ظهرت نصوصها في منصّات أدبية متعددة، وتواصل بناء مشروعها السردي بخطى ثابتة، طامحة إلى ترك بصمتها المميّزة في المشهد الأدبي المعاصر.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.