22 كانت هالة مستغرقة في نوم عميق، كأن جسدها قرر أخيرًا أن يطالب بحقه بعد يوم لم يترك لها فرصة لالتقاط أنفاسها. لم تأكل شيئًا منذ عودتها من المدرسة، ولم تشرب حتى كوبًا من الماء، ولم تفكر إلا في أن تصل إلى سريرها وتغلق عينيها. كان التعب قد أخذ منها كل شيء؛ الدروس الخصوصية، والمذاكرة، ونشاط المدرسة، والوقوف طوال ساعات اليوم، ثم الأسئلة الكثيرة التي لم تنتهِ حتى بعد أن غادرت القاعة. دخلت أمي الغرفة أكثر من مرة، نظرت إليها وهي نائمة، ثم خرجت وهي تهز رأسها. قالت لنفسها بحزن: «صعبانة عليَّ البنت دي… ما بين الدروس الخصوصية والمذاكرة والنشاط، ومش بتسأل في صحتها.» كانت أمي دائمة القلق علينا؛ على أبي، وعليّ، وعلى إخوتي. قلبها لم يكن يعرف الراحة. حتى وهي تطهو أو تنظف أو تجلس قليلًا، كان جزء منها مشغولًا بأحدنا. كانت تخاف أن يصيبنا شيء، وتخاف على أبي من ضيق الحال، وتخاف علينا من الأيام، وكأن الأمومة عندها لم تكن مجرد حب، وإنما حالة دائمة من الحراسة والخوف. اقتربت من سريري، سحبت الغطاء قليلًا فوق كتفي، ثم تركتني وانصرفت إلى المطبخ. ولم أسمع شيئًا. كان نومي أعمق من أن يصل إليه صوت. حتى الصباح، حين تسلل بخفة من شق الستارة، لم أستيقظ فورًا. امتد الضوء على وجهي ببطء، وداعب وجنتي النائمة كأول وعد لم يُكسر بعد. في الغرفة الصغيرة، كان صوت المذياع قد بدأ يملأ المكان. كانت فيروز تغني بصوتها الرخيم، ذلك الصوت الذي يشبه حنانًا نائمًا فوق وسادة قديمة، ويجعل الصباح يبدو أقل قسوة مما هو عليه. فتحت عيني ببطء. ظللت لحظات أحدق في السقف، لا أعرف هل استيقظت فعلًا أم أنني ما زلت داخل الحلم. ثم جلست. فركت عينيّ كأنني أوقظ الضوء من داخلي، ورفعت شعري الذي كان قد انفلت من ضفائر الأمس. وقفت أمام المرآة. فككت ضفائر البارحة، وتركت شعري يسقط على كتفي، ثم بدأت أعيد جدله من جديد، خصلة وراء خصلة، وكأنني لا أرتب شعري فقط، وإنما أحاول أن أعيد ترتيب الحياة نفسها. كانت هناك أيام نستيقظ فيها ونحن نعرف بالضبط ماذا ينتظرنا. وأيام أخرى نستيقظ فيها دون أن نعرف أن اليوم يحمل لنا شيئًا سيظل معنا سنوات طويلة. كان هذا الصباح من النوع الثاني. من المطبخ، تصاعد بخار الشاي، واختلطت رائحته بالنعناع، ثم جاء صوت أمي من بعيد: «قومي يا هالة… هتتأخري!» ضحكت. لم أعرف هل كنت أضحك من نبرة أمي، أم من شعري الذي لم يكن يريد أن يطيع المشط، أم من صورتي أمام المرآة بعد يوم كامل من التعب. قلت: «حاضر يا ماما.» ردت من المطبخ: «حاضر دي من امبارح! قومي يا بنتي، هتروحي المدرسة وإنتِ ما أكلتيش حاجة.» وضعت يدي على بطني، وتذكرت أنني بالفعل لم آكل منذ الأمس. لكنني لم أشعر بالجوع. كنت فقط أشعر أن النوم أعاد إليّ شيئًا من روحي. ارتديت مريولي المدرسي، وكان هناك خيط مهترئ قرب الكتف. حاولت إصلاحه سريعًا، ثم وقفت أمام المرآة مرة أخرى. لم أكن أرى نفسي كما كانت تراني أمي. كنت أرى طالبة عادية، مرهقة قليلًا، تحمل حقيبة أثقل من عمرها، وتفكر في ألف شيء قبل أن يبدأ يومها. لكن شيئًا في ملامحي كان يقول إنني ما زلت طفلة في مكان ما. شدَدت شريطة شعري، وتأملت عينيّ للحظة أطول. كأنني أسأل الطفلة التي تسكن داخلي: هل أنا جميلة بما يكفي؟ ثم ضحكت من السؤال. لم أكن أعرف وقتها أن السؤال الحقيقي لم يكن عن الجمال. كان عن شيء آخر تمامًا. هل أنا كافية لأحلم؟ هل أنا كافية لأصبح مذيعة؟ هل أنا كافية لأكتب؟ هل أنا كافية لأن أكون مختلفة دون أن أخاف من اختلاف الآخرين؟ وهل يمكن لفتاة في مثل سني أن تختار طريقها بنفسها، حتى لو كان الجميع من حولها يعتقدون أن الطريق قد اختير لها بالفعل؟ أمسكت حقيبتي وخرجت من الغرفة. نادَت أمي: «هالة، استني خدي الساندوتش ده.» قلت: «مش عايزة يا ماما.» قالت: «إنتِ ما كلتيش من امبارح!» قلت: «هكله في المدرسة.» نظرت إليّ أمي نظرة طويلة، ثم وضعت الساندوتش في حقيبتي دون أن تناقشني. كانت تعرفني. تعرف أنني إذا قلت لا، فالأفضل أن تضع الشيء في طريقي بدل أن تدخل معي في معركة صباحية. قالت: «وخدي بالك من نفسك.» ابتسمت: «حاضر.» اقتربت وقبّلت يدها، فوضعت يدها على رأسي وقالت: «ربنا يحميكي يا بنتي.» خرجت من البيت. كان الصباح قد امتلأ بالضوء. حملت حقيبتي وركضت خطوات صغيرة نحو الشارع، وورائي بقيت رائحة الشاي والنعناع وصوت أمي. وكان حولي ذلك العبق الخفيف من عطر زهيد، لا يلفت النظر، لكنه كان يكفي لأن يجعل الصباح أكثر دفئًا. لم أكن أعرف أن هذا الصباح العادي، بهذا المريول البسيط، وبتلك الضفيرة التي لم تكن مثالية، وبذلك العطر الصغير، سيوقظ حبًّا كاملًا في قلب رجل كان يعرف كيف يقول لي فقط: «صباح الخير يا هالة.» ولم أكن أعرف أيضًا أن الرجل الذي سألتقيه بعد دقائق كان قد قضى ليلته يفكر فيّ، بينما كنت أنا غارقة في النوم، لا أعرف أن هناك قلبًا آخر لم يعرف النوم بسهولة. وهكذا، خرجتُ إلى المدرسة وأنا أظن أنني ذاهبة إلى يوم جديد… بينما كانت الأيام قد بدأت بالفعل في كتابة شيء آخر لي. ھدى حجاجي أحمدكاتبة وروائية – مصر