137 1 ـ لا بأس لا بأس… فالذكريات لا تأتي حين نستدعيها، بل تهرول نحونا حين نظن أننا نجونا منها. كنت جالسة وحدي، أراقب آخر خيط من الضوء وهو يتسلل من النافذة، بينما كان المساء يفرش ظله على الأشياء. لم أكن أنتظر أحدًا. كنت أنتظرني. تلك المرأة التي تركتها ذات يوم في منتصف الحكاية، ومضيت. لكنها لم تمضِ. ظلت هناك، عند أول وجع، تحمل قلبها وتنتظر تفسيرًا لم يأتِ. ابتسمتُ لها في خيالي وقلت: لا بأس… فبعض الأشياء لا تُشفى. إنما نتعلم فقط كيف نحملها. 2 ـ متاهة الحيرة هرولت الذكريات بالحنين. دخلت من نافذة القلب دون استئذان، وجلست حولي كغرباء يعرفونني جيدًا. واحدٌ منها كان يشبه صوتك. وآخر كان يشبه يديك. وثالثٌ لم أستطع أن أراه، لكنني شعرت به يمر بجانبي. سألتني الحيرة: إلى أين؟ قلت: لا أعرف. قالت: وماذا تنتظرين؟ قلت: ربما شيئًا انتهى. ضحكت الحيرة. فالأشياء التي تنتهي، لا تحتاج إلى انتظار. أما التي نظل ننتظرها… فهي التي لم نملك شجاعة الاعتراف بأنها انتهت. 3 ـ ملامح الظلال في المساء، رأيت ظلًا وحيدًا على الحائط. توقفت طويلًا أمامه. كان يتحرك كلما تحرك الضوء، ويكبر كلما اقترب الليل. قلت له: أأنت أنا؟ لم يجب. اقتربت. اختفى. ابتعدت. عاد. فعرفت أن بعض الأشياء لا نستطيع امتلاكها إلا من بعيد. جلست أمامه، وبدأت أحكي. عن الذين رحلوا. عن الذين بقوا بأجسادهم وغادروا بأرواحهم. عن قلبٍ أتعبه الانتظار. وحين انتهيت، لم أجد الظل. وجدت دمعة على وجهي. 4 ـ استعارة كنت أبحث عن جناحين. ليس لأطير بعيدًا… بل لأهرب قليلًا من الأرض. الأرض التي حفظت خطواتي كلها. الأرض التي شهدت سقوطاتي، وانتظاراتي، وعودتي المتكررة إلى الأماكن التي وعدت نفسي ألا أعود إليها. فتحت دفتري. لم أجد جناحين. وجدت قصيدة. فهمت. أنني لا أحتاج إلى أن أطير. يكفيني أن أكتب. فالقصيدة أحيانًا جناحٌ لا يراه أحد، لكنه يحملنا فوق الأشياء التي عجزنا عن تجاوزها. 5 ـ حين تكلم الحنين في منتصف الليل، طرق الحنين الباب. لم أفتح. طرق مرة أخرى. قلت: من؟ قال: أنا. قلت: ومن أنت؟ قال: كل ما حاولتِ نسيانه. سكتُّ. ثم فتحت. لم أجد أحدًا. وجدت صندوقًا قديمًا. فتحته. صورة. رسالة. رائحة عطر. ضحكة بعيدة. وقلبًا صغيرًا كنت أظنه مات. وضعته على صدري. فسمعته يقول: ما زلت هنا. 6 ـ آخر المتاهة استيقظت في الصباح. كان الحنين قد رحل. والظلال ذابت في الضوء. والذكريات عادت إلى أماكنها القديمة. أما أنا… فلم أعد تلك التي كانت تنتظر. جلست إلى الورق. وكتبت: لا بأس… ثم توقفت. لأول مرة لم أكمل الجملة. لأنني اكتشفت أنني لم أعد بحاجة إلى أن أقول «لا بأس». لقد أصبح الأمر فعلًا… بلا بأس. وأدركت أن بعض المتاهات لا نخرج منها بالعثور على الطريق. نخرج منها حين نتوقف عن البحث عن الباب… ونصنع لأنفسنا جناحين. ثم نكتب. نكتب حتى يصبح الحنين حبرًا، والوجع قصيدة، والظل حكاية، والذكرى… شيئًا لا يؤلمنا حين نتذكره. ھدى حجاجي أحمدكاتبة وروائية – مصر