133 لم تنتهِ الحكاية حين استعدتُ هدوئي. ولم تنتهِ حين توقفتُ عن انتظارك. بل بدأت من هناك. فثمة فرقٌ كبير بين أن ينجو الإنسان من الغرق، وأن يتعلم السباحة. كنتُ أظن أن خلاص الروح يكمن في الابتعاد عن مصدر الألم، لكنني اكتشفت لاحقًا أن الألم لا يسكن الأشخاص وحدهم، بل يسكن الزوايا التي تركوها داخلنا. ولهذا كان عليَّ أن أعبر مسافة أطول بكثير من المسافة التي أبعدتني عنك. كان عليَّ أن أعبر نحو نفسي. في الصباحات الهادئة بدأت ألاحظ أشياء لم أكن أراها من قبل. لون السماء حين تستيقظ المدينة ببطء. رائحة القهوة التي تتسلل من النوافذ. ضحكة طفل يعبر الشارع ممسكًا بيد أمه. وصوت العصافير التي لم تكن يومًا غائبة، لكنني كنت منشغلًا عن سماعها. أدركت أن الحزن يشبه غرفة مغلقة. كلما بقينا فيها طويلًا ظننا أن العالم كله جدران. لكن ما إن نفتح الباب حتى نكتشف أن الحياة كانت تنتظرنا في الخارج. شيئًا فشيئًا بدأت أتصالح مع النسخة القديمة مني. مع ذلك الإنسان الذي أحب بإخلاص. وانتظر بإخلاص. وتألم بإخلاص. فلم يعد يزعجني أنني أخطأت. بل صار يعزيني أنني كنت صادقًا. فالأخطاء التي نصنعها بقلوبنا النقية أقل قسوة من الانتصارات التي نحققها بالخداع. وحين نظرت إلى المرآة ذات صباح، لم أرَ الشخص الذي خسر أحدًا. رأيت إنسانًا ربح نفسه. وذلك كان كافيًا. لكن الطريق إلى الذات لم يكن مفروشًا بالطمأنينة كما كنت أتصور. كانت هناك أيام يعود فيها الماضي متخفيًا في هيئة ذكرى عابرة. أغنية قديمة. صورة منسية. مكان مررت به صدفة. فأشعر للحظة أن الزمن لم يتحرك خطوة واحدة. ثم أكتشف أنني أنا الذي تغيرت. أن الذكرى ذاتها لم تعد تمتلك القدرة على جرحي كما كانت تفعل من قبل. وأن ما كان يومًا عاصفة هائلة، أصبح الآن مجرد غيمة عابرة في سماء بعيدة. هناك فهمت شيئًا آخر. أن النسيان ليس خيانة للذكريات. بل رحمة يمنحها الله للقلوب المتعبة. وأن الشفاء لا يعني محو ما حدث. بل القدرة على تذكره دون أن ينزف القلب كلما مر به. في تلك المرحلة بدأت أكتب كثيرًا. لا لأحكي عنك. بل لأحكي عني. عن الإنسان الذي خرج من بين الركام يحمل بقايا روحه ويبحث عن نفسه بين الطرقات. كنت أكتب لأفهم. وأكتب لأشفى. وأكتب لأن الكلمات كانت الجسر الوحيد بين ما كنت عليه وما صرت إليه. وكلما كتبت سطرًا جديدًا، شعرت أنني أسترد قطعة صغيرة من نفسي. كأن الحروف كانت تجمع شتاتي المبعثر بصبرٍ عجيب. حتى جاء مساء هادئ جلست فيه قرب نافذتي المعتادة. كانت المدينة تغفو ببطء تحت أضواء خافتة. وكان الصمت يملأ المكان. لكنه لم يعد ذلك الصمت الثقيل الذي عرفته يومًا. بل صار صمتًا وديعًا. يشبه يدًا حانية تربت على القلب. حينها أدركت أنني وصلت. ليس إليك. ولا إلى نهاية الحكاية. بل إلى المكان الذي كنت أبحث عنه منذ البداية. وصلت إلى نفسي. وما أجمل أن يجد الإنسان نفسه بعد رحلة طويلة من الضياع. يتبع… ھدى حجاجي أحمدكاتبة وروائية – مصر