163 في زمنٍ صارَ فيه القصفُ لغةً يوميّةً، لم تعدِ الحربُ في السماءِ وحدَها… بل في القلوبِ أيضًا. كانت تقولُ دائمًا إنَّ المشاعرَ المكتومةَ تُفَخِّخُ القلبَ بالقنابلِ، وأنَّ الصمتَ ليس سلامًا كما يظنُّ الناسُ، بل مخزنُ بارودٍ ينتظرُ شرارةً. جلسا ذاتَ مساءٍ متقابلين، وبينهما طاولةٌ صغيرةٌ تُشبهُ حدودًا غيرَ مرئيةٍ. لم يكن بينهما سلاحٌ، لكنَّ الكلماتِ التي لم تُقَلْ كانت كافيةً لإشعالِ معركةٍ كاملةٍ. قالت بنبرةٍ ساخرةٍ تُخفي وجعًا قديمًا: في عصرِ القصفِ… دعنا نتبادلُ الدمارَ. نظرَ إليها طويلاً، كأنّه يحاولُ قراءةَ الخرابِ في عينيها، ثم ابتسمَ ابتسامةً متعبةً: وبعدها؟ أجابت وهي تُشيحُ بوجهِها نحوَ النافذةِ: وبعدها… نعقدُ جلساتٍ للتفاوضِ. سادَ صمتٌ قصيرٌ. في الخارجِ كانت المدينةُ تضجُّ بالحياةِ، لكن داخلَ الغرفةِ كان شيءٌ آخرُ يحدثُ؛ حربٌ صغيرةٌ بلا شهودٍ. فهمَ أخيرًا أنَّ المشكلةَ لم تكن في الكلماتِ التي قالاها، بل في تلك التي دفناها عميقًا داخلَ القلبِ حتى صارت قنابلَ. اقتربَ قليلًا وقال بصوتٍ خافتٍ: ماذا لو جرّبنا شيئًا آخرَ؟ رفعت حاجبيها باستغرابٍ: ماذا؟ تنهدَ وقال: ماذا لو ألغينا الحربَ من الأساسِ… قبل أن نضطرَّ للتفاوضِ؟ للمرّةِ الأولى منذُ زمنٍ، شعرت أنَّ القلبَ الذي كان مُفَخَّخًا بالصمتِ… بدأ يتعلّمُ كيف ينجو. الكاتبة هدى حجاجي أحمد