42 تتصل بي الصُغرى “بابا … صواريخ”، متهدّجًا صوتُها بالرعب، مرتعدة من أصوات الانفجارات التي ترتطم بغشامة وجنون حول مطار عدن- ولنا فيه تجارب مُرّة- تزفر حشرجة الرعب وتتوسل بكلمات متقطعة أن آخذها إليّ .. إلى صدري، إلى حيث الأمان المفترض والدفء المفقود. وفي اللحظة ذاتها التي يتشظى فيها قلبي مع كل انفجار يتردد صداه عبر الهاتف، تتوهج شاشة هاتفي المعطوب بإشعارات يوتيوب، لتبعث برسائل باردة ومطمئنة بوقاحة، تزعم أن هذا الدمار والخراب ليس سوى “علامة بُشرى” لظهور المهدي المنتظر! … المهدي المنتظر …! هذا الذي تحول في الواقع المعاش من أمل بالمخلص إلى عقدة تاريخية لا حلّ لها، تغرق المخيلة في متوالية من العلامات: “السفياني واليماني (اليماني) ودوي الصيحة السماوية، وصولا إلى قتل النفس الزكية والخسف بالبيداء.” في هذا الزمن الذي بات فيه الموت اليومي والدمار المستمر في اليمن والسعودية والشرق الأوسط مادة خام رخيصة، انبثقت على منصات التواصل الاجتماعي ظاهرةٌ مدهشة في وقاحتها وغرابتها: مقاطع فيديو رقمية تسعى بشتى الطرق لربط كل قصفٍ، وكل مجاعةٍ، وكل وباءٍ بظهور المهدي واليماني والسفياني وعلامات الخسف الكبرى. وكأن التاريخ الإسلامي الطويل لم يكن سوى بروفةٍ تمهيدية طويلة لهذه اللحظة الدرامية، وكأن حروب العصر الحديث ليست حروب مصالح سياسية، أو صراعات أسلحة، أو نزاعات على المنافذ البحرية والثروات، إنما هي “ديكورٍ” مسرحي رخيص لمشهدٍ نبويٍّ مؤجل ينتظر صفارة الانطلاق. إن المشهد بات مألوفا إلى حد يثير الملل والاشمئزاز في آنٍ واحد: موسيقى خلفية مرعبة تحبس الأنفاس، خرائط رقمية تتوهج باللون الأحمر القاني أو الأزرق، آيات قرآنية وأحاديث نبوية تُنتزع بوحشية من سياقها التاريخي والموضوعي كالأسنان المقلوعة من فمٍ ميتٍ، ثم تعليق صوتي هامس، درامي، ومصطنع يؤكد أن “العلامات الكبرى قد ظهرت”، وأن “الساعة آتية لا ريب فيها”. “عصر الظهور” وأي (ظهور؟) وما يثير السخرية السوداء حتى الخطابات الدينية الغربية أو المسيحية (أو اللاهوتيات الموازية) لا تتأخر عن ركب هذه الترهات؛ فهي الأخرى توظف الدخان اليمني وتهاويل الحرب علامة مجازية على قرب المجيء الثاني للمسيح أو ظهور “ضد المسيح”، بحسب المزاج اللاهوتي السائد في ذلك اليوم. ففي إنجيل متى (24:6-7): “وسوف تسمعون بحروب وبأخبار حروب… تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة”. ويُربط هذا بمجاعة وأوبئة وزلازل كبداية الأوجاع. كما يحدث اليوم في اليمن.. هكذا قالها الفقيه القبطي الحاذق ودحس كبدي! وفي هذه التلفيقية العجيبة، يبدو الجميع سعداء ومنتفعين: اليوتيوبر يحصد أرقاما قياسية من المشاهدات والأرباح الإعلانية، والمشاهد يبحث عن إثارةٍ رخيصة تخدّر فضوله، بينما الضحايا والقتلى والجياع يحصلون على تفسيرٍ ميتافيزيقيٍّ بارد ومجاني لموتهم المجاني. لكن المشكلة الحقيقية والأعمق تكمن في أن هذه “الترّهات” ليست تسلية عابرة أو خرافات غير مكلفة. إنها آليةٌ فعالة وممنهجة لتجريد المعاناة الإنسانية من أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحقيقية. عندما يُقال للبسطاء والمكلومين إن الجوع والمرض في الحديدة أو تعز أو غيرها من المدن هو مجرد “علامة أزلية”، وإن الأوبئة هي “عذاب إلهي حتمي”، وإن القصف الجوي والمدفعي ما هو إلا “خسفٌ مصغر”، فإن الأسئلة البسيطة والملحة تختفي تماما من التداول: من يقصف؟ ومن يحاصر؟ ومن يستفيد ماديا وسياسيا من استمرار هذه الحرب؟ يتبخر الجواب الحقيقي ليحل محله ردود جاهزة ومخدرة مثل: “الله يعلم وحده”، أو “هذا قدر مكتوب”، أو “انتظروا حتى يظهر المهدي”. وبهذه الطريقة المأساوية، يتحول مئات الآلاف من القتلى، والجياع، والمرضى، والمشردين إلى مجرد أرقام صامتة في سيناريو هوليوودي لنهاية العالم، لا إلى بشر حقيقيين كان يمكن إنقاذ حياتهم ومقدراتهم لو توقف أحدهم عن صناعة هذا المحتوى النبوي المزيف والاتجار بآلام الأبرياء. والطريف، بل المرّ والمؤلم حقا، أن أكثر الأطراف التي ترفع راية “المهدي” وتستثمر فيها خلال هذه الحرب لا تؤمن أصلا بمهديٍّ غائبٍ مجهول يظهر فجأة من غيبٍ ما. فالحوثيون، على سبيل المثال، الذين يُقدَّمون مرارا في بعض هذه الفيديوهات السطحية كجزءٍ من ملحمة تاريخية آخروية كبرى، لا تؤمن أدبياتهم إلا بمهديةٍ واحدة واقعية واضحة المعالم وصارمة: مهدية “علم الهدى” عبد الملك الحوثي. بالنسبة لهم، هو الإمام الفعلي، وهو العلامة، وهو الغاية السياسية والدينية. أما تفاصيل اليماني والسفياني وعلامات الخسف، فيتم تركها عادة لليوتيوبرز وصانعي المحتوى الذين يحتاجون بإلحاح إلى المزيد من الدراما والتشويق لجذب الانتباه. إن هذا النوع من الخطاب المضلل لا يقتل ضحاياه بالرصاص الحي مباشرة، لكنه يقتل بطريقةٍ أبطأ، وأكثر دناءة وخبثا: إنه يقتل القدرة البشرية على الغضب الحقيقي من الظلم، ويقضي على الرغبة الملحة في محاسبة من يصنعون الحروب ويديرون آلة الدمار، ويحول المأساة الإنسانية النابضة بالحياة إلى مسلسلٍ دينيٍّ مفتوح النهاية لا نظير له. وكلما ازداد عدد الضحايا في الواقع، ازدادت معهم نسب المشاهدات والتفاعل الرقمي. وكلما ازدادت المشاهدات، تعاظمت الحاجة إلى سقوط ضحايا جدد لإثبات صحة “النبوءة” المزعومة واستمرار دوران عجلة الإثارة. في الختام، ليس المهدي هو من يتأخر في الظهور، بل المتأخرون حقا هم أولئك الذين ما زالوا يعتقدون بيقين ساذج أن تفسير أهوال الحرب بـ “الخسف وعلامات آخر الزمان” أسهل بكثير من مواجهة حقيقتها السياسية ومصالحها الاقتصادية البحتة. وأما يوتيوب ومنصات البث الرقمي، فتبقى هي الرابح الأكبر والوحيد: منصاتٌ تجارية باردة تبيع نهاية العالم على أقساط مريحة، بينما يستمر العالم الحقيقي في إنهاء حياة الناس، وبكل روتين، بأقساطٍ يومية موجعة. مجيب الرحمن الوصابيباحث – اليمن