430 تمهيد المرأة وما أدراك ما المرأة، كائن يجمع بين اللين والصلابة والطيبة والقسوة والذكاء والخبث والحكمة والدهاء.. أسالت أنهارًا من الحبر، وشغلت الناس كبارًا وصغارًا، فقراء وأغنياء، عامة وملوكًا وسلاطين منذ بدء الكون إلى اليوم. وما زالت تبدو لغزًا محيّرًا، كلما قرأت جانبًا من شخصيتها غابت عنك جوانب. نظرًا لأهميتها في الاستمرار البشري وتوازن الكون كشخصية محورية، فقد تواجدت جنبًا إلى جنب مع الرجل منذ البدء، فغيّرت الممالك وسيّرت العروش بالذكاء حينًا وبالحكمة أحيانًا. كل يراها كائنًا جميلًا مطيعًا، ولا أحد طرق أبواب عقلها المركب، وحال سبيلها يقول قولة الشاعرة الأميرة الراقية سعاد الصباح: “كن صديقي، ليس في الأمر انتقاص للرجولة، فلِمَ تهتم بشكلي ولا تدرك عقلي؟”. فلنغص في هذا المقال لنرى من أكرمها ومن نظر لها نظرة استصغار، ولا يمكن أن نطرح هذا الموضوع إلا بعد التمهيد له. المرأة في عيني الفنان عبر الزمن كانت المرأة في البداية مجرد جسم جميل للمتعة ووعاء للإنجاب في عهود الجاهلية الأولى. في ذلك الزمن كانت عدسة الفنان حروفه وأبياته الشعرية وقوافيه، حيث يتغزل بمحاسنها الجسدية ويرسل لها مراسيل حب ورغبة جامحة. يتغزل عنتر بفم حبيبته عبلة فيقول: “ووددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المبتسم”. ومع مرور الوقت وإثبات المرأة لقدرات أهم من الجسد والإنجاب، بدأت الصورة الشعرية تمتزج ببطولة المرأة في الفروسية والشجاعة والدفاع عن القبيلة وقول الأشعار التحفيزية لأبطال الغارات والمعارك الشرسة، وحتى الهجاء والرثاء، إذ قالت الخنساء في أخيها صخر: يذكرني طلوع الشمس صخرًاوأذكره لكل غروب شمسوإن صخرًا لتأتم الهداة بهكأنه علم على رأسه نار كما برزت مشاركتها غالبًا في الغزوات والدفاع عن القبيلة من الغارات، فقالت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان: “نحن بنات طارق نمشي على النمارق، والدر في المخانق، والمسك في المناطق، إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق، أو تدبروا نفارق فراق غير وامق”. فكانت بنات القبائل الشهيرة ورؤساء القبائل مفخرة الجزيرة العربية، يتغنى بأشعارهن التجار وأصحاب القوافل خلال رحلتي الشتاء والصيف وموسم الحج للكعبة، والمشاركة في سوق عكاظ الذي كان يعتبر أهم ملتقى تجاري وفكري تتوج فيه أجمل القصائد، ومن أشهرها المعلقات السبع. وكان هذا تطورًا كبيرًا في تغيير صورة المرأة من جسد إلى بطولات ومشاركة في بناء المجتمع. المرأة في فجر الإسلام كانت النساء في فجر الإسلام ممرضات للمحاربين ومربيات فاعلات لرجال الصحابة، حتى أن سورًا قرآنية نزلت بسببهن تكريمًا وتعزيزًا لمكانتهن في الصبر والسعي إلى خلق أجيال لا تدين بدين الجاهلية الأولى. السيدة خديجة، السيدة عائشة، السيدة سلمة، والسيدة فاطمة الزهراء بنت النبي المصطفى ساهمن في نشر الأحاديث وتفسير السور وشرح العبادات. المرأة في الحضارات والفنون تواجدت المرأة في كل الحضارات وكانت فاعلة في القصور والمملكات، إذ غيرت سياساتها إما بالدسائس أو بالحكمة أو الدفاع عن الأوطان. هذه هي الصور التي وصلتنا عن المرأة من خلال الشعر أو النثر أو التاريخ في زمن لم تتوفر فيه العدسات وكانت العلوم مرايا شفافة. حتى حواء، التي تتهم بأنها كانت سببًا في إغراء آدم وإنزالنا إلى الأرض، شكلت جانبًا كبيرًا من إبداعات الفنانين العرب، لأنها تمثل رمزًا للجمال والقوة، تراوحت بين الجمال الأنثوي والرمز الثقافي بوسائل كثيرة، كالرسم التجريدي مثل رسومات مارتن بن معزو المتأثر بالمدرسة التجريدية التعبيرية، والتصوير الفوتوغرافي، والنحت، والنقش، وحتى لوحات الخط العربي والزخرفة الإسلامية. المرأة في الواقع الاجتماعي والفن المعاصر أغلب الفنانين المعاصرين أخرجوا المرأة من بوتقة الجسد الضيقة إلى وظائف أسمى، كالدفاع عن الأوطان خلال الاستعمار، مثل جميلة بوحيدر المناضلة الجزائرية، توحيدة بالشيخ وهي أول طبيبة في العالم العربي، سنية حبوب، هدى الشعراوي، درية شفيق، وآسيا جبار، ولطيفة النادي وسميرة موسى وغيرهن كثيرات. ولا تزال صورهن وأسماؤهن على المؤسسات والطوابع البريدية والمتاحف العسكرية، وألهمن الأقلام والألوان والعدسات للحديث عنهن وتاريخ نضالاتهن، توحيدة بالشيخ. التحديات والصراعات أرخ الرسامون أيضًا ما قامت به المرأة من تحديات وصراعات لنيل حقوقها، وتغيير النظرة الدونية لها من كونها تابعة للرجل تعيش في جلباب أب وأخ وصي عليها، وزوج متحكم فيها لا يراها إلا زوجة وربة بيت وآلة للإنجاب، وأنها عنصر فاعل لا بد أن يسهم في بناء المجتمعات وتشييد الحضارات. وتجد هذه الصور في المناهج التعليمية والعلوم التربوية التي تولي المرأة أهمية قصوى، باعتبارها العمود الفقري للمجتمع وملهمة للأجيال والنشء. قال أمير الشعراء: “الأم مدرسة، إن أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق”، ووصفها الشاعر الكبير حافظ إبراهيم: “هي الأخلاق تنبت كالنبات إذا سقيت بماء المكرمات”. المرأة والفن العربي الحديث صورة المرأة تغيرت نحو الإيجابي عبر العصور بفضل انعتاقها وشقها كل المجالات بخطى ثابتة، وساندها الإعلام الحر والصورة الإيجابية التي نريدها. أبرز الرسامين العرب الذين ساهموا في ذلك: السوري فاتح المدرس، المصري محمود سعيد، العراقي ضياء العزاوي، والتونسيون عائشة الفيلالي، القرجي، والهادي التركي. مزج هؤلاء بين التراث والمعاصر في دور المرأة الريفية والحضرية، وجسدوا العادات والتقاليد في الملبس والمناسبات والأعياد، وكفاح المرأة من أجل لقمة العيش. الصورة المشوهة للمرأة اليوم الصورة التي تسيء إلى المرأة اليوم هي اعتبارها جسدًا في السينما والإشهار، واستغلالها جنسيًا خاصة خلال الحروب والنزاعات، والهروب من العنف المسلط عليها داخل الأسرة، وبالتالي استغلال ظروفها القاهرة بعرضها سلعة بخسة الثمن. المرأة الفلسطينية ورمز الصمود أكثر صورة موجعة هي صورة الماجدة الفلسطينية، التي رغم المحن تحرس الحدود بقلب موسى وصبر عيسى، وفي الفؤاد وجع توأم للتحدي، وهي أكثر الصور التي نزفت لها الأقلام والمحابر والفراشي دمًا لرسمها. الخاتمة فخرنا بها عظيم، واعتزازنا بالمرأة العربية كبير، إذ إنها رغم العقبات خطت خطوات ماراثونية ونية نحو المجد، لبست الشمس تاجًا لها، وتلحفت بالنجوم. الكاتبة فاطمة الزهراء بناني