الأربعاء, أكتوبر 14, 2026
الصفحة الرئيسية قراءات ونقد قراءة في رواية “تارميني” لفتحية الهاشمي – أثر إبداعي يكتب الإنسان على تخوم الأرض والسماء: حقيقة الهجرة غير الشرعية

قراءة في رواية “تارميني” لفتحية الهاشمي – أثر إبداعي يكتب الإنسان على تخوم الأرض والسماء: حقيقة الهجرة غير الشرعية

66 زائر 3 دقائق اقرأ

بقلم: منصف كريمي / ناقد أدبي

تعزّزت المكتبة الروائية التونسية خاصة، والعربية عامة، بصدور رواية «تارميني» (TERMINI) عن دار البياتي للنشر والتوزيع، وفي 185 صفحة من الحجم المتوسط، لتُضاف إلى رصيد إبداعات وتجربة الشاعرة والروائية فتحية الهاشمي، والتي تمتد كتابتها إلى الرواية والشعر والقصة، وتتمحور حول الإنسان بوصفه القضية الأعمق والأكثر إلحاحًا، ولتكون عنوانًا جديدًا لتتويجاتها الإبداعية بحصول هذه الرواية، بعد صدورها بعام، على جائزة الإبداع الأدبي باللغة العربية ضمن الجائزة الوطنية «زبيدة بشير للكتابات النسائية التونسية» لسنة 2025، التي ينظّمها مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة «الكريديف».

والرواية، إذ تنقسم إلى عشرة أبواب ضمن تقسيم ذكي لاسم البطل «موروكو»، والذي يحملنا هو أيضًا إلى عالم الطفولة والصور المتحركة، فإنها جاءت بعد ست روايات سابقة لتكون هي السابعة ضمن إنتاجات الروائية فتحية الهاشمي، وكأنها تقول: «أنا سبوعية»، سريعة المجيء ومفاجئة أيضًا.

وجاءت «تارميني»، أو «حرقة شرعية» كما تسمّيها الكاتبة فتحية الهاشمي في عنوان فرعي داخل الرواية، مذيلةً بلوحة غلاف من تصوّر الروائية وتصميم الشاعر والرسام صاحب دار البياتي للنشر والتوزيع، لتتساءل من خلالها عن الحرية والإنسان، ويصبح الأدب بذلك رحلة في أعماق الإنسان، بحثًا عن وطن لا تحدّه حدود ولا تنطفئ فيه الأحلام، لتجعل من خلالها المؤلّفة من الإنسان وقضاياه جوهرًا لرؤيتها الأدبية.

ورواية «تارميني» ليست مجرد حكاية عن الرحيل من بلد إلى آخر، بل هي رحلة في المسافة المعقّدة بين الإنسان ومكانه، بين الحلم والواقع، وبين الحاجة إلى الانتماء ومرارة الاغتراب. فمن خلال عوالم تتوزّع بين تونس وإيطاليا، تستكشف فتحية الهاشمي مصير الإنسان حين يجد نفسه في مواجهة حدود لا ترسمها الجغرافيا وحدها، بل تصنعها الظروف الاجتماعية والاقتصادية، وتعمّقها الوحدة وفقدان الأمان.

ففي قلب الرواية تقف شخصية «موروكو»، حاملةً أبعادًا إنسانية تتجاوز حدود الحكاية الفردية، ومن خلال شخصيات تبحث عن مكانها في عالم تتزاحم فيه أسباب التيه، وتصبح فيه الرحلة أحيانًا محاولةً لاستعادة الذات أكثر منها انتقالًا بين الأمكنة.

ومن خلال هذه التجربة، تطرح الرواية أسئلةً ملحّة، منها: هل يكفي أن يصل الإنسان إلى أرض جديدة كي يشعر بأنّه وصل إلى الحياة؟ وكيف يستطيع الحفاظ على إنسانيته حتى تتكاثر الحواجز بينه وبين حلمه؟

ومن هذا المنطلق، تكتسب الأمكنة في الرواية دلالات رمزية لافتة؛ فالمدينة ليست دائمًا وعدًا بالخلاص، والمقبرة لا تقتصر على الموت، والمستشفى لا يختزل معنى الشفاء. وفي هذه الفضاءات المتداخلة، تتكشف أحوال بشر يقفون على تخوم الحياة، يعيشون بين الحضور والغياب، وبين الرغبة في مواصلة الطريق والشعور بأنّ العالم قد ضاق بما يكفي ليهدّ أحلامهم.

ومن هنا، تتجاوز «تارميني» موضوع الهجرة بمعناه المباشر، لتصبح تأمّلًا في الاغتراب الإنساني وفي حق الفرد في الحرية والكرامة والأمان. فالأرض، في أفق الرواية، تتّسع للجميع، لكن الحدود التي يصنعها البشر قد تحوّلها إلى مساحات متباعدة، وتدفع الإنسان إلى البحث عن وطن جديد، وربّما عن معنى جديد للحياة ذاتها.

وهكذا يشكّل البعد الإنساني الخيط الذي يصل بين تفاصيل الرواية ورؤيتها الكبرى؛ فالإنسان ليس رقمًا أو جنسية أو هويّة تختصرها وثيقة، بل كائن يحمل ذاكرته وأحلامه ومخاوفه، ويحتاج إلى أن يُرى ويُسمع، وأن يُعترف بحقه في حياة كريمة. ولذلك تنفتح الرواية على أسئلة السلام والحرية والعدالة، وتدعو بصورة مباشرة وموجّهة إلى استعادة الإنسان مكانته في عالم مثير، ما تتقدّم فيه الحدود على القيم التي ينبغي أن تجمع البشر.

وفي الجانب الوجداني من هذا الأثر، تتقاطع صور الأم والحب والذاكرة مع رحلة البحث عن الحياة، لتمنح الحكاية عمقًا عاطفيًا يتجاوز مسار أحداثها. وبين حضن الأم ويد الحبيبة، وبين السماء والأرض، تتجسّد صورة الإنسان المعلّق بين ما فقده وما يرجو بلوغه؛ إنسان لا يتخلّى عن الحياة، حتى تبدو المسافة بينه وبين الأمان أبعد من قدرته على الاحتمال.

ومن هنا نقرّ أنّ قيمة «تارميني» لا تكمن في الحكاية وحدها، بل في الأسئلة التي تتركها مفتوحة أمام القارئ: لمن تنتمي الأرض؟ وهل يمكن للإنسان أن يجد وطنه خارج حدود المكان؟ وما الذي يبقى من العالم إذا فقد البشر قدرتهم على رؤية إنسانية بعضهم بعضًا؟ وهي أسئلة تجعل من الرواية أكثر من سرد لتجربة فردية، بل دعوة إلى إعادة التفكير في معنى الانتماء، وإلى الإيمان بأنّ الحرية والكرامة والسلام حقوق لا ينبغي أن تتوقّف عند حدود بلد أو جنسية.

ومن خلال هذا الأثر، يتأكّد لنا مرة أخرى أنّ فتحية الهاشمي لا تكتب عن إنسان يبحث عن مكان فحسب، بل عن إنسان يبحث عن حقه في أن يكون «إنسانًا». وفي هذا المعنى، تتجلّى روح «تارميني» كرواية تجعل من الأدب ساحةً للدفاع عن الحياة، ومن الكلمة محاولةً لفتح نافذة للنور في عالم يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يتذكّر أنّ الإنسانية وطننا المشترك.

المراسل / منصف كريمي
صحفي – تونس

  • إعلامي تونسي
    كاهية مدير المؤسسات والتظاهرات الثقافية وعضو خلية المهرجانات الصيفية بالمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بجندوبة مكلف بالاتصال والاعلام

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.