الخميس, أكتوبر 22, 2026
الصفحة الرئيسية دراسات ونقد شعري اغتراب الذات واستعادة الروح في مرايا النسيان وجدلية الحضور والغياب في التجربة الروحية: قراءة في نص “أنا أنتِ” للشاعرة التونسية حنان الشلي بقلم الناقد الأردني د. حسن علي الفقعاوي

اغتراب الذات واستعادة الروح في مرايا النسيان وجدلية الحضور والغياب في التجربة الروحية: قراءة في نص “أنا أنتِ” للشاعرة التونسية حنان الشلي بقلم الناقد الأردني د. حسن علي الفقعاوي

40 زائر 4 دقائق اقرأ

تندرج قصيدة «أنا أنتِ» للشاعرة حنان الشلي ضمن الكتابة الشعرية ذات المنحى الوجودي والروحاني، التي تتخذ من اغتراب الذات مدخلًا لاستكشاف أزمة الهوية الإنسانية في عالم تتكاثر فيه الأقنعة وتضطرب فيه الحدود بين المظهر والحقيقة. ولا تستمد القصيدة خصوصيتها من حكاية الحسناء المنخرطة في أجواء الاحتفال فحسب، بل من البنية الرمزية التي تجعل هذه الشخصية صورةً للإنسان حين يفقد صلته بذاته، ويستعيض عن الطمأنينة الداخلية بضجيج الجماعة وبريق المشهد الخارجي. ومن خلال تقابل الأضواء والعتمة، والابتسامات والدموع، والحضور الجسدي والغياب النفسي، تبني الشاعرة فضاءً دلاليًا تتكشف فيه هشاشة الفرح المصطنع وعجز النسيان عن ترميم الشروخ العميقة في الوعي. وتتخذ الحركة الدائرية للنص، من الانغماس في الحشد إلى العودة للوحدة، وظيفةً جمالية تكشف استحالة الخلاص عبر الهروب المتكرر. غير أن التحول الحاسم يقع في الخاتمة، حين يظهر الصوت الذي يستعيد الاسم ويعلن: «أنا أنتِ»، فتتجاوز العبارة دلالتها الحوارية المباشرة لتغدو علامة على انبعاث الصلة بين الإنسان وحقيقته الباطنة. ومن هنا، تنفتح القصيدة على أفق روحاني قوامه أن معرفة الذات ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، وأن المصالحة مع النفس تبدأ حين يصغي الإنسان إلى صوته الأعمق، ويسترد هويته من بين ركام الأقنعة. وبذلك تقدم الشاعرة نصًا تتداخل فيه الدراما النفسية مع التأمل الوجودي، وتغدو فيه العودة إلى الذات فعلَ استنقاذٍ روحي من ضياع العالم.

دراسة نقدية في قصيدة
الشاعرة حنان الشلي

تقوم قصيدة «أنا أنتِ» على توتر بين حضور الذات في فضاء اجتماعي صاخب وانكفائها على قلق داخلي لا يبدده الاحتفال. فمظاهر السهرة لا تُقدَّم بوصفها نقيضًا مباشرًا للوحدة، بل بوصفها إطارًا تتجاور فيه الرغبة في التناسي مع صعوبة مواجهة النفس.

تفتتح الشاعرة نصها بمشاهد حسية متجاورة: «دخان سيجارة، فستان سهرة، وحسناء، فوانيس صفراء وأنوار». ويؤسس هذا التتابع فضاءً بصريًا كثيفًا، تتجاور فيه عناصر البريق مع ما يوحي بالتبدد؛ فالمشهد لا يكتف٩ي بوصف المكان، بل يمهّد للتوتر بين المظهر الخارجي والحالة النفسية الكامنة وراءه.

وتتجسد المفارقة في صورة الحسناء «كدمية خِيطت من الصوف». فالتشبيه يربط هيئة الشخصية بالتصنع والهشاشة، ويجعل جمالها الخارجي قابلًا للقراءة بوصفه قناعًا لا يكشف ما تختزنه من قبلات ودموع ومخاوف. ولا تفرض الصورة معنى واحدًا، لكنها تتيح انتقال الشخصية من مستوى الوصف الحسي إلى مستوى التمثيل الرمزي لذات فقدت تماسكها.

وتتوالى الأقنعة الاجتماعية عبر الأرواح الملوّنة والابتسامات المتعددة. وتوحي هذه العناصر بأن التواصل في المشهد يجري، في جانب منه، عبر علامات جاهزة لا تضمن انكشاف التجربة الداخلية. ومن ثمّ، لا تبدو الجماعة فضاءً للتقارب بقدر ما تبدو وسيطًا لتأجيل المواجهة مع الذات.

أما العزف الغجري والأضواء والرقص، فتسهم في بناء إيقاع حركي وصاخب يزاحم التأمل الداخلي. ويمكن فهمها بوصفها وسائل لتخفيف وطأة الوعي بالذات مؤقتًا، لا بوصفها حلولًا نهائية للأزمة؛ إذ يستمر القلق رغم كثافة الحركة وتعدد مظاهر الاحتفال.

وتتضح الأزمة في السؤال: «ولا تدري من تكون الآن». فالسؤال يعلّق هوية الشخصية بين ماضٍ لم يعد كافيًا لتعريفها وحاضرٍ لا يمنحها صورة مستقرة عن نفسها. ولا يرتبط التصدع هنا بالانغماس في الجماعة وحده، بل بتعذر بناء علاقة متماسكة بين الذات وصورتها في العالم.

وتكشف عبارة «تختلف أشكالهم وتتشابه آلامهم» عن انتقال النص من خصوصية الشخصية إلى أفق جماعي. فاختلاف الملامح والأدوار لا يلغي اشتراك الشخصيات في تجربة القلق، غير أن العبارة لا تجعل آلامهم متطابقة تمامًا؛ بل تشير إلى بنية مشتركة من العجز عن بلوغ قدر من التصالح مع الذات.

ويتحول النسيان إلى محور دلالي في قول الشاعرة: «الكل يريد أن ينسى من يكون الآن». ويكتسب الرقص، في هذا السياق، وظيفة دفاعية محتملة، لأنه يتيح تعليق السؤال عن الهوية، من دون أن يقدّم دليلًا على تحقق الفرح أو زوال الألم. فالحركة الخارجية تستمر، بينما يبقى السؤال مؤجلًا لا محسومًا.

وعلى المستوى البنيوي، تنتقل القصيدة من مشهد الاحتفال إلى لحظة الانكشاف ثم إلى إمكان استعادة الذات. وهذه الحركة ليست دائرية بالمعنى الصارم، لأن النهاية لا تعيد المشهد إلى نقطة بدايته، بل تعيد تفسير عناصره السابقة في ضوء النداء والاعتراف. لذلك يمكن القول إن النص يبني مسارًا من التشتت إلى التعرف، مع إبقاء المصالحة في حدود الإمكان لا الاكتمال النهائي.

وتكثف صورة «عينين خائفتين وثالثة شريدة» اضطراب الإدراك وتوزع الانتباه. فالعينان تحيلان إلى الخوف، بينما تضيف العين الثالثة معنى الشرود والانفصال عن اللحظة الراهنة. وبذلك تتجاوز الصورة الوصف الحسي لتصوغ حالة من عدم الاستقرار في علاقة الشخصية بذاتها وبالمشهد المحيط.

ويشكّل السؤال «من أنا الآن؟» لحظة انتقال من التلقي إلى المواجهة. فبعد أن كانت الشخصية جزءًا من فضاء تتكاثر فيه الأضواء والحركات، تصبح مطالبة بتحديد موقعها داخله. ولا يقدّم النص جوابًا مباشرًا، بل يهيئ للجواب عبر النداء الذي يعيد وصل الشخصية باسمها.

ويبدأ التحول الأبرز مع الصوت الذي ينادي الحسناء باسمها. فاستعادة الاسم تؤدي وظيفة رمزية في إعادة تثبيت الهوية، لأنها تنقل الشخصية من صورة عامة داخل المشهد إلى كيان يمكن مخاطبته وتعيينه. ومع ذلك، لا تلغي هذه الاستعادة آثار الاغتراب، بل تفتح إمكانًا لمراجعته.

وتبلغ القصيدة نقطة ارتكازها في العبارة «أنا أنتِ». فالجملة تقيم تطابقًا بين المتكلم والمخاطبة، وتحوّل العلاقة من مراقبة خارجية إلى اعتراف بالانقسام الداخلي. وبذلك ينتقل النص من تمثيل الذات بوصفها غائبة إلى اقتراح أن الغائب ليس شخصًا آخر بالضرورة، بل جزء من الذات نفسها ظل محجوبًا بالأقنعة.

ويمكن قراءة هذا اللقاء، في مستواه الروحي، بوصفه عودة إلى مركز داخلي بعد تجربة من التشتت. غير أن النص لا يقدّم الخلاص بوصفه نتيجة مكتملة أو معجزة خارجية؛ فالتحول يتأسس على فعل التعرف إلى النفس، وعلى استعادة صلة كانت معطلة بين الاسم والهوية والتجربة.

وتتحدد قيمة النص في قدرته على بناء مشهد متدرج من عناصر يومية: دخان، فستان، أضواء، موسيقى ورقص، ثم تحميل هذه العناصر توترًا يتصل بالهوية والذاكرة. كما أن لغته المباشرة ومشهديته المتتابعة تساعدان على إبقاء التجربة قريبة من القارئ، من دون أن تمنعاها من الانفتاح على التأويل. أما النهاية، فتقترح أن استعادة الذات تبدأ حين يتحول الهرب من سؤال الهوية إلى مواجهة هذا السؤال، ولو بقيت المصالحة نفسها قابلة للاستمرار والمراجعة.

د. حسن علي الفقعاوي
أديب وناقد – الأردن

أنا أنتِ

دخان سيجارة
فستان سهرة
وحسناء
فوانيس صفراء
وأنوار

هي جميلة كدمية
خِيطت من الصوف
تخفي خلف ابتسامة شفتيها
مئة قبلة ودمعة
وكثيرًا من الخوف

تدور حولها
أرواح ملوّنة
وأطياف مزينة
تُطبع القبلات
على الخدود
والأيادي
والكفوف

تداعب أناملها
عقدها الذهبي
ومن الزاوية
ينساب عزف غجري

ترى الحسناء هناك
آلاف الابتسامات
وتسمع آلاف الكلمات

تتوه في بقع الضوء
والألوان
ولا تدري من تكون الآن

تقترب روح منها:
هل لي، مدام؟
تمد يدها دون كلام

وتلتحق بجمع الأرواح
فتتراقص كلها كالنجوم
في سماء حالكة

تختلف أشكالهم
وتتشابه
آلامهم

فالكل
مشغول الآن
الكل يريد أن ينسى
من يكون الآن
لا شيء سوى النسيان

الكل مشغول
يرقص على أنغام موسيقى صاخبة
وقرع الطبول

ثم تتوقف الألحان
فتعود الحسناء
إلى المكان نفسه
وحيدة
تعود بعينين خائفتين
وثالثة شريدة

من أنا الآن؟

تيأس وتتعب
وتقرر أن تذهب

لكنها تسمع صوتًا يناديها
ينادي اسمها
ويٌحيّيها
كيف حالكِ؟ يقول.

تلتفت الحسناء في فضول..

ألم تعرفيني؟
أنا أنتِ
غبت عنك
بعض الوقتِ
سامحيني.

حنان الشلي
روائية وشاعرة – تونس

  • أديب وناقد أردني
    الدكتور حسن علي الفقعاوي هو أكاديمي وأديب وناقد أردني، حاصل على درجة الدكتوراه، ويُعرف بنشاطه في مجالات التعليم والتأطير الثقافي والعمل الفكري. يشارك في مبادرات أكاديمية ومجتمعية تهتم بنشر ثقافة السلام والتنمية، وهو عضو في الاتحاد الدولي لمنظمات السلام العالمي، كما له حضور في المجال الأدبي والنقدي من خلال مساهماته الفكرية وكتاباته التي تعكس اهتمامه بالقضايا التربوية والثقافية وتعزيز الحوار المعرفي.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.