36 قالت لي ذات مساءٍ دافئ، وعطرُ الياسمين ينساب من شرفتها كسِرٍّ لا يُقال: “أعشق الياسمين… ليس فقط لرائحته، بل لأنه يشبهني: أبيض، نقيّ، يُزهِر في الظل، ولا يطلب شيئًا سوى نسمة صدق”. ثم أغمضت عينيها كمن يحلم، وقالت: “أحبُّ القمر حين يكتمل، حين يفيض نوره على الشجر والماء والحجر، أراه رفيقًا… وأحيانًا أبًا، وأحيانًا حبيبًا بعيدًا، أراقب نوره وهو يتسلّل خجولًا بين الأغصان، كأنه يزورني خفية”. كانت تحبّ التفاصيل التي لا يراها الناس. النسيم حين يهمس للنيل، والموجة الأولى التي تقبّل الضفة بهدوء،الظلّ حين يسير خلف نخلةٍ في الصباح،والبرتقال حين يكون ناضجًا كقلبٍ لم يُكسر بعد. قالت لي مرة:“أنا أحبُّ الحياة الصغيرة،وأحبّك… لأنك تُشبه تلك الأشياء التي أحبّها:هادئ، صادق، تلتقط الجمال من بين أنقاض اليوم”. أحببتها،ليس لأنني أردت أن أحبّ،بل لأن قلبي لم يجد طريقة أخرى ليعيش.أحببتُ براءتها التي لا تتصنّع،وصوتها حين يهمس باليقين:“لن أمشي وحدي، سنكمل الطريق معًا… حتى آخر الطريق، حتى آخر الضوء، حتى آخر نبضة”. لكنّ الطرق لا تقول دائمًا الحقيقة،والقمر لا يظلّ عاليًا طوال الليالي. جاءت ليلةٌ سوداء،مغتربةٌ، خرساء،غاب فيها القمر عن سمائها،وغابت معها أشياؤها الصغيرة. أصبحت السماء رمادية،لا صوت للنسيم،ولا ظلّ للأمل. عيناها اللتان كانتا تلمعان لكلّ إشراقة،انطفأتا أمام هذا الغياب العظيم.روحها – تلك الرقيقة التي كانت ترتعش لعطر الورد –لم تحتمل الذبول.لم تحتمل أن ترى ما تُحبّه وهو يتساقط ورقةً ورقة. وفي لحظةٍ لم تدم،باغتَها التعب،فتحت ذراعيها للسماء،وأسرجت قلبها على جناحِ دعاءٍ،ورحلت… رحلت،لكنّها لم تأخذني معها.تركتني على حافة الرحيل،أعُدّ خطواتها في الذاكرة،وأرسم وجهها في كل شيء جميل. منذ أن غابت،لم أعُد أرى القمر كما كنت.كلّ نوره يشبه وجهها، وكلّ غيابه يشبه ليلي.الياسمين… صار يبكيني بدل أن يبهجني،والنخيل صار يحنو عليّ كأبٍ مفجوع.البرتقال لم يَعُد حلوًا،ولا النيل حيًّا كما كان. أجلس على ضفة الذكرى،أحمل بيدي صورتها،وبقلبي قسمها،وأنتظر اللحظة التي تعود فيها،لا كحبيبةٍ من زمن،بل كرفيقةِ خُطى في الفردوس،حيث لا موت، ولا غياب، ولا وداع. سعيد إبراهيم زعلوكشاعر – مصر