227 أي فصل أغراك أن تزهر في الصقيع،ثم تركك تذبل حين جاء الربيع؟ هو الموت حين يتقن هيئة الحياة.كنت نبتة ضلّت فصولها،فأورقت في زمهرير الحقيقة وجعًا،وحين أقبل ربيع الوهم، جفّت عروقي على مهل. لم يقتلني برد الشتاء؛قتلني دفء جاء متأخرًا،يشبه الحياة ولا يمنحها. لم أعد أسأل أي فصل يأتي،بل أي موتيتنكر هذه المرة في هيئة فصل. كيف لصمتك أن يشعل كل هذا الحريق،ولكلمة منك أن تطفئ ثورة؟ هو الصمت، حين يضيق بما لم يقل،فتحتشد الكلمات في جوفهكطيور لم تجد سماء تليق بأجنحتها. كنت أصمت،فتشتعل خلف جبيني مدن،وأتكلم،فتسقط من فمي كلمة واحدةكالماء على جمر اليقين. ثورة كاملة قد تموت بين شفتي عارفاختار ألا يقول. ومنذها لم أعد أخشى الكلام،بل أخشى ذلك الصمتالذي يعرف الحقيقة ويصمت. بأي جناحين راهنت على السماء،وأنت تحمل في جسدك كل هذا الطين؟ أنا من صنع جناحيه من ورق الأفكار.حلّقت حتى صغرت الأرض تحتي،ونسيت أن الورق مهما سمالا ينسى أنه كان شجرة. كنت أثقل من جناحي؛في صدري من الأسئلةما لا تقوى عليه أجنحة اليقين. وحين ابتل الورق بأول حقيقة،سقطت من شاهق الوهم إلى قاع نفسي. لم يكن السقوط موتًا،بل ارتطامًا مقدسًا بالأرض؛هناك عرفت أن الطينلم يكن سجني،بل الشيء الوحيدالذي كان ينتظر عودتي. لماذا كنت تختبئ كلما أضاءوا لك الطريق،وتظهر كلما اشتدت العتمة؟ الضوء ليس بريئًا دائمًا،وأشد الأقنعة إحكامًاتلك التي تلمع كثيرًا. اختبأت خلف ضوء مستعار،حيث تتشابه الوجوهحتى ينسى كل وجه ملامحه، وكنت كلما ازددت ظهورًاأغيب عن نفسي أكثر. فهربت إلى العتمة،لا لأختبئ فيها،بل لأخلع ما تركه الضوء عليّ،وأرى وجهي بلا شهود. هناك لم تجملني العتمةولم تسترني؛تركتني وحيدًامع الغريب الذي كنت أهرب منه. وحين أوغلت فيها،لم أجد النور الذي بحثت عنه؛وجدت عينيّ وقد تعلمتا الرؤية دون ضوء. لم تكن العتمة غياب النور؛كان النور هو الذي يحجبني عن نفسي. أي يد فيك كانت تحيك من الليل فجرًا،بينما الأخرى تغزل من الأمل كفنك؟ من سواد ليلي الطويلنسجت فجرًا لمن أضاعوا عيونهم، وكنت كلما أضأت لهم طريقًاأطفئ في داخلي نافذة. أرقّع ثقوب أرواحهمبما تمزق من روحي. أما آمالي التي ادخرتها للنجاة،فكانت تنسل خيطًا بعد خيط،حتى اكتمل منها كفن على مقاسي. أصنع للآخرين فجرًا،وأتدثر بصمت النهاية؛ لا أموت بما يكفي لأغيب،ولا أحيا بما يكفيلأرى الفجر الذي صنعت. متى صدقت المرآة إلى الحدالذي جعل صورتك أفصح من حقيقتك؟ المرايا لا تكذب،لكنها لا تقول الحقيقة كاملة؛ترد إليك ملامحك،وتترك روحك خارج الزجاج. تعلمت منها لغتي،فخاطبت العالم بما يحب أن يرى،وارتديت لكل عين وجهًايشبه يقينها أكثر مما يشبهني. ومع كل وجه أتقنته،كان وجهي الحقيقي يبهت، حتى صرت أعرف كيف أبدو أمام الآخرين،ولا أعرف من أكون حين لا يراني أحد. خطر المرآةأن تمنحك وجهًا تعتاد عليهحتى تنسى وجهك. إلى أين كنت تسافر كل هذه المسافات،وأقدامك لم تغادر الغرفة؟ أبعد المنافيقد تبدأ من كرسي،والمسافة لا تقاس بالخطوات،بل بما يفصل المرء عن نفسه. سافرت في جغرافيا لا خرائط لها،وكلما أوغلت في الوعيابتعدت عن الأماكن التي تعرفني. لم أغادر غرفتي،لكنني عدت منها غريبًا؛الجدران ذاتها،والباب يعرف وقع يدي،ولا شيء يعرفني. كنت أظن الدار مكانًا نعود إليه،والدار ما يعود إلينا حين نضيع. أما أنا،فكلما بحثت عن جهة أنتمي إليها،وجدتني غريبًا يسأل غريبًا عن الطريق. لم تعد الغربة أن أكون بعيدًا،بل أن أصل إلى نفسي،فلا أجدني في انتظاري. كيف بلغت يدك النجوم،ولم تبصر قدمك حصاة تنتظرك على الأرض؟ أمضيت عمريأرفع شباكي إلى البعيد،أصطاد منه فكرة، حتى غدت الأرض في رأسيتفصيلًا صغيرًا. رأيت البعيد بوضوح،لكنني لم أر حصاةكانت تنتظر قدمي على الطريق. تعثرت. وكان التراب الملتصق بكفيأول حقيقة لم أرها من بعيد. لم تكن هشاشتي في عجزي عن بلوغ السماء،بل في بلوغي أقاصي الفكردون أن أتعلم كيف أمشي على الأرض. لحظة… من الذي ظل يسألك كل هذا الوقت؟ توقفت طويلًا. لم أجد صوتًا في الجهة الأخرى،ولا أحدًا ينتظر جوابي،ولا حتى صدىيعود إليّ بما قلت. تركت كرسيًا قبالتي،وظللت أحدث الفراغكأن أحدًا هناك يصغي. حتى الأسئلةلم تكن تبحث عن أجوبة؛كانت تبحث عمن يقولها. مددت يدي إلى الكرسي المقابل… كان دافئًا. ولم أعد أعرفمن منا كان الوهم. ثم نهض من المرآة،وتركني فيها. صرخت باسمه،فالتفت. كان يحمل وجهي. ضربت الزجاج،ولم يسمعني أحد. رأيته يجلس إلى مكتبي،يقلب الأوراق بهدوء،حتى بلغ الصفحة الأولى. قرأ السؤال: أي فصل أغراك أن تزهر في الصقيع،ثم تركك تذبل حين جاء الربيع؟ ابتسم،ثم شطب اسمي من أسفل النص،وكتب اسمه. كان اسمي!!! إبراهيم علي الإدريسيشاعر وناقد – العراق