152 ليست الرسائل حبرًا يسافر في الظرف… بل قلبٌ يهاجر من كفٍّ إلى كفٍّ ليستقرّ. هي وعد المسافات حين يضيق الطريق ويشتد السَّفر. في الحب، كانت الرسالة خفقًا مؤجّلًا… اسمًا يُكتب ببطء، كأن الحروف تخاف أن تنكسر. عطرٌ ينام بين السطور، وعاشقٌ يعدّ الدقائق حتى يأتيه الردّ، مثل فجرٍ منتظر. في الأمومة،كانت الرسالة دعاءً مطويًّافي جيب الغياب،وصوت أمٍّ يقول لابنها البعيد:كن بخير…فقلبي معك أينما استقرّ. في الصداقة،كانت الرسالة ضحكة محفوظة،وسرًّا لا يشيخ،وكتفًا من كلماتإذا ضاقت الدنيايقول: أنا هنا…فاطمئن ولا تضجر. في الوطن،كانت الرسائل راية من شوق،وجنديًّا يكتب: سنعود…ولو طال السهر.نبض أرضٍ لا تموت،ولو تكاثر الخطر. في الغربة،كانت الرسالة نافذة صغيرةيطل منها البيت،ورائحة خبز تقول للمسافر:لا تنسَ الطريق،ولا تنكسر. حتى في الأدب،كانت الرسائل مدرسة صدق،يتعلّم الحرف كيف يمشي على مهل،كيف ينحني للمعنى،كيف يبقىولا يندثر. اليوم،نكتب بسرعة الضوء،وننسى أن الكلمة كي تعيشتحتاج عمرًا آخر.نرسل شعورًا في سطرٍ عابرثم نمضيكأن القلب لا ينتظر. فلنعد…لا هروبًا من زمنٍ سريع،بل وفاءً لبطءِ المشاعر.لنكتب كما كان العاشقون يكتبون،وكما كانت الأمهاتتطرّز أسماءنا بالدعاء.لنكتب كي يكون للنبض أثر،وللانتظار معنى،وللحُب جذر. فالرسالة ليست ورقًا فقط…إنها وطن صغيريسكنه اثنان،ولا يدخله أحدٌ آخر. سعيد إبراهيم زعلوكشاعر – مصر