الثلاثاء, سبتمبر 22, 2026
الرئيسية » إبراهيم علي الإدريسي – العراق: نصّ بعنوان “مَن كان هناك؟ »

إبراهيم علي الإدريسي – العراق: نصّ بعنوان “مَن كان هناك؟”

229 زائر 3 دقائق اقرأ

أي فصل أغراك أن تزهر في الصقيع،
ثم تركك تذبل حين جاء الربيع؟

هو الموت حين يتقن هيئة الحياة.
كنت نبتة ضلّت فصولها،
فأورقت في زمهرير الحقيقة وجعًا،
وحين أقبل ربيع الوهم، جفّت عروقي على مهل.

لم يقتلني برد الشتاء؛
قتلني دفء جاء متأخرًا،
يشبه الحياة ولا يمنحها.

لم أعد أسأل أي فصل يأتي،
بل أي موت
يتنكر هذه المرة في هيئة فصل.

كيف لصمتك أن يشعل كل هذا الحريق،
ولكلمة منك أن تطفئ ثورة؟

هو الصمت، حين يضيق بما لم يقل،
فتحتشد الكلمات في جوفه
كطيور لم تجد سماء تليق بأجنحتها.

كنت أصمت،
فتشتعل خلف جبيني مدن،
وأتكلم،
فتسقط من فمي كلمة واحدة
كالماء على جمر اليقين.

ثورة كاملة قد تموت بين شفتي عارف
اختار ألا يقول.

ومنذها لم أعد أخشى الكلام،
بل أخشى ذلك الصمت
الذي يعرف الحقيقة ويصمت.

بأي جناحين راهنت على السماء،
وأنت تحمل في جسدك كل هذا الطين؟

أنا من صنع جناحيه من ورق الأفكار.
حلّقت حتى صغرت الأرض تحتي،
ونسيت أن الورق مهما سما
لا ينسى أنه كان شجرة.

كنت أثقل من جناحي؛
في صدري من الأسئلة
ما لا تقوى عليه أجنحة اليقين.

وحين ابتل الورق بأول حقيقة،
سقطت من شاهق الوهم إلى قاع نفسي.

لم يكن السقوط موتًا،
بل ارتطامًا مقدسًا بالأرض؛
هناك عرفت أن الطين
لم يكن سجني،
بل الشيء الوحيد
الذي كان ينتظر عودتي.

لماذا كنت تختبئ كلما أضاءوا لك الطريق،
وتظهر كلما اشتدت العتمة؟

الضوء ليس بريئًا دائمًا،
وأشد الأقنعة إحكامًا
تلك التي تلمع كثيرًا.

اختبأت خلف ضوء مستعار،
حيث تتشابه الوجوه
حتى ينسى كل وجه ملامحه،

وكنت كلما ازددت ظهورًا
أغيب عن نفسي أكثر.

فهربت إلى العتمة،
لا لأختبئ فيها،
بل لأخلع ما تركه الضوء عليّ،
وأرى وجهي بلا شهود.

هناك لم تجملني العتمة
ولم تسترني؛
تركتني وحيدًا
مع الغريب الذي كنت أهرب منه.

وحين أوغلت فيها،
لم أجد النور الذي بحثت عنه؛
وجدت عينيّ وقد تعلمتا الرؤية دون ضوء.

لم تكن العتمة غياب النور؛
كان النور هو الذي يحجبني عن نفسي.

أي يد فيك كانت تحيك من الليل فجرًا،
بينما الأخرى تغزل من الأمل كفنك؟

من سواد ليلي الطويل
نسجت فجرًا لمن أضاعوا عيونهم،

وكنت كلما أضأت لهم طريقًا
أطفئ في داخلي نافذة.

أرقّع ثقوب أرواحهم
بما تمزق من روحي.

أما آمالي التي ادخرتها للنجاة،
فكانت تنسل خيطًا بعد خيط،
حتى اكتمل منها كفن على مقاسي.

أصنع للآخرين فجرًا،
وأتدثر بصمت النهاية؛

لا أموت بما يكفي لأغيب،
ولا أحيا بما يكفي
لأرى الفجر الذي صنعت.

متى صدقت المرآة إلى الحد
الذي جعل صورتك أفصح من حقيقتك؟

المرايا لا تكذب،
لكنها لا تقول الحقيقة كاملة؛
ترد إليك ملامحك،
وتترك روحك خارج الزجاج.

تعلمت منها لغتي،
فخاطبت العالم بما يحب أن يرى،
وارتديت لكل عين وجهًا
يشبه يقينها أكثر مما يشبهني.

ومع كل وجه أتقنته،
كان وجهي الحقيقي يبهت،

حتى صرت أعرف كيف أبدو أمام الآخرين،
ولا أعرف من أكون حين لا يراني أحد.

خطر المرآة
أن تمنحك وجهًا تعتاد عليه
حتى تنسى وجهك.

إلى أين كنت تسافر كل هذه المسافات،
وأقدامك لم تغادر الغرفة؟

أبعد المنافي
قد تبدأ من كرسي،
والمسافة لا تقاس بالخطوات،
بل بما يفصل المرء عن نفسه.

سافرت في جغرافيا لا خرائط لها،
وكلما أوغلت في الوعي
ابتعدت عن الأماكن التي تعرفني.

لم أغادر غرفتي،
لكنني عدت منها غريبًا؛
الجدران ذاتها،
والباب يعرف وقع يدي،
ولا شيء يعرفني.

كنت أظن الدار مكانًا نعود إليه،
والدار ما يعود إلينا حين نضيع.

أما أنا،
فكلما بحثت عن جهة أنتمي إليها،
وجدتني غريبًا يسأل غريبًا عن الطريق.

لم تعد الغربة أن أكون بعيدًا،
بل أن أصل إلى نفسي،
فلا أجدني في انتظاري.

كيف بلغت يدك النجوم،
ولم تبصر قدمك حصاة تنتظرك على الأرض؟

أمضيت عمري
أرفع شباكي إلى البعيد،
أصطاد منه فكرة،

حتى غدت الأرض في رأسي
تفصيلًا صغيرًا.

رأيت البعيد بوضوح،
لكنني لم أر حصاة
كانت تنتظر قدمي على الطريق.

تعثرت.

وكان التراب الملتصق بكفي
أول حقيقة لم أرها من بعيد.

لم تكن هشاشتي في عجزي عن بلوغ السماء،
بل في بلوغي أقاصي الفكر
دون أن أتعلم كيف أمشي على الأرض.

لحظة…

من الذي ظل يسألك كل هذا الوقت؟

توقفت طويلًا.

لم أجد صوتًا في الجهة الأخرى،
ولا أحدًا ينتظر جوابي،
ولا حتى صدى
يعود إليّ بما قلت.

تركت كرسيًا قبالتي،
وظللت أحدث الفراغ
كأن أحدًا هناك يصغي.

حتى الأسئلة
لم تكن تبحث عن أجوبة؛
كانت تبحث عمن يقولها.

مددت يدي إلى الكرسي المقابل…

كان دافئًا.

ولم أعد أعرف
من منا كان الوهم.

ثم نهض من المرآة،
وتركني فيها.

صرخت باسمه،
فالتفت.

كان يحمل وجهي.

ضربت الزجاج،
ولم يسمعني أحد.

رأيته يجلس إلى مكتبي،
يقلب الأوراق بهدوء،
حتى بلغ الصفحة الأولى.

قرأ السؤال:

أي فصل أغراك أن تزهر في الصقيع،
ثم تركك تذبل حين جاء الربيع؟

ابتسم،
ثم شطب اسمي من أسفل النص،
وكتب اسمه.

كان اسمي!!!

إبراهيم علي الإدريسي
شاعر وناقد – العراق

  • شاعر وناقد عراقي
    إبراهيم علي الإدريسي شاعر وناقد عراقي، صدر له ديوان شعري مطبوع بعنوان «تراتيل من جوف السكون»، وله مجموعات شعرية وقصص قصيرة، إلى جانب عدد من القراءات والدراسات النقدية التي تعكس اهتمامه بالشعر والنقد الأدبي.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.