الأربعاء, أغسطس 5, 2026
الرئيسية » أميرة غربي – الجزائر: قصّة قصيرة بعنوان « فدا الأقصى… »

أميرة غربي – الجزائر: قصّة قصيرة بعنوان “فدا الأقصى…”

327 زائر 4 دقائق اقرأ

اِتكأت إلى الحائط تسترجع أنفاسها، وتعد لحظات فرحها الأخيرة. هي تدرك تمامًا أن حدثًا مثل هذا قد زلزل كيانها وجعل قلبها مكلومًا. لحظات معدودة أحست بأيادٍ باردة تتلقفها من فوق الأرض، ترش قطرات ماء عليها، تسترجعها من غيبوبتها. أفاقت من صدمتها تصرخ:

قتلوك يا ولدي.. حرموني منك يا يوسف، مثلما حرموني من والدك!

أحست بأسياخ الحزن والغضب تجتاحها. زحفت إلى حيث جثة ولدها الصغير، ذي السبع سنوات، أخذت تتلمس أشلاءه المتطايرة من هول القصف العنيف، فلم تعثر على يده اليسرى. لوهلة جمعت شتات تفكيرها، وأخذت تطوي الأرض بحثًا عن يد ابنها اليسرى. سرعان ما جذبتها يد أختها “زمرد”، وهي تغوص بين الأنقاض، يطوقها الألم من كل جانب، يحاصرها فيوشك أن يفترسها.

دقائق حتى تُحمل جثة ولدها مع بقية الجثث، لكنها تدرك أنها باستطاعتها تمييزها؛ حجمها، وبعض الخطوط المتواجدة على الكيس الذي يميزه عن بقية الأكياس، وقطرات الدماء الملطخة على الجهة اليمنى للكيس، والفراغ الذي خلفه فقدان ابنها ليده اليسرى!

عاصفة الذكريات الهوجاء تعصف بها، فتعود بها ذاكرتها إلى اليوم المشؤوم حينما قتل زوجها أمام ناظريها، فتمسح بأناملها المجعدة على وجهها. حاوطتها براثن الوجع لتلك الذكرى، فأمطرت أهدابها لتعلن استسلامها، فتمحو تلك الابتسامة المصطنعة.

كيف للحياة أن ترمي بها في أزقتها الضيقة بين أنياب الحسرة على فقدان ولدها الوحيد، وزوجها المقتول غدرًا؟ ظنت للحظة أنها قد دفنت حزنها وردمته جيدًا، حتى لا يعاود الظهور تحت هذه الأرض البور المسقية بدماء زوجها، حتى التهب جرحها مرة أخرى.

هدوء رهيب يغشى خيمتها التي ركنت في زاويتها. لا ترحمها الذكرى، ويغدر بها النسيان للمرة الثانية. قد أضحت كل الحروف لعنة عليها، فلا تحرك شفتاها إلا لشرب الماء، ولا تنبس ببنت شفة. تتوالى صفعات الذكرى في كل حين تغزوها، كما غزا الكيان الصهيوني أرضها كجراد ملعون، وغزا حياتها، فسرق ولدها وزوجها.

يطغى السواد على حياتها، كما سواد هذا الليل، حتى وإن كان القمر يضيء، ولكنه كأنه سراب من نور سيختفي قريبًا، فهو لا يكفي حتى ليرسم لها معالم طريقها.

هدوء ذلك الليل يعبث بها، حتى يخيل لها ذلك السراب ظنًا أنه ابنها يوسف. تناديه باسمه مرارًا، تبتسم له، وتداعب شعره الكيرلي، تمرر يديها على وجهه، فيرسم على وجهها أملًا مزيفًا، تظهر معالمه من ابتسامة ثغرها لأول مرة بعد وفاة طفلها.

تناشد جفناها الكرى، لكنه يأبى أن يداعب أجفانها. تحوم حول الخيمة كسكير لا يعرف وجهته. يخيل للرائي أنها قد تعاطت أفيونًا لابتساماتها البلهاء تارة، وتأوهاتها تارة أخرى.

فتحدق في السماء مطولًا، وكأنها تسأل الإله: لماذا فعل هذا بها؟

عمى البصيرة يصيبها، فيلقي لثامه عليها، فتتخبط يمنة ويسرة، فتسهب في التفكير. يأرجحها عقلها إلى انكسارها للمرة الثانية، تحدث نفسها بصوت مكتوم:

كل شيء يحدث للمرة الثانية..

ترفع يديها تارة إلى السماء، وتضعها أخرى، علها تدعو الله أن يرحم ضعفها، وينصر أرضها فلسطين. رغم أنها الأرض التي فتكت بعائلتها، إلا أنها تدرك أنها مهبط الأنبياء أيضًا، وأنها لا يجب أن تلقي لومها على الأرض.. البشر هم السبب.. نعم، هم السبب.

تقول هذا الحديث لنفسها مرارًا، فتمني نفسها بحياة جديدة في أرضها، تستنشق هواء غزة بقوة حتى تتأكد أنه يتغلغل داخل رئتيها، تزفره بهدوء كمن تخرج شعرة من عجين. تحملق إلى المجهول، تدعو وتدعو كثيرًا، حتى تحس باستجابة الله لها.

تستشعر القذاءة في نفسها من كل هذا الدجل الذي أصاب أرضها، تنعي أمواتها، ثم تلج خيمتها لترى أختها تفترش الأرض، شاحبة البشرة، وهي ذات ثلاث وعشرين ربيعًا، والتي لا تزال تحمل أحلامها على جناح أمل يتلاشى!

تستمع من خيمتها إلى الملثم يخاطب جيشًا عرمرمًا:

“ضعوا أيديكم على قلوبكم، وقولوا: كل شيء على ما يرام، تيقنوا من ذلك.”

تضع يدها على قلبها، وتعيد جملة الملثم: “كل شيء على ما يرام”. ترددها تكرارًا حتى تخترق قلبها، فتتيقن بها.

تزدرد ريقها، وتنظر من خيمتها، بدا لها جيشًا عظيمًا، أيده الله بجنود لا يراها أحد. حشد الملثم جيشه للذود عن “بيت المقدس”. يظهر الرجل الملثم، الذي اتبع النبيين، وهو يضع اللثام محتذيًا بخطى قدوته؛ محمد صلى الله عليه وسلم.

أردف قائلًا:

إن معركة التاريخ قد آن أوانها، وإن نجدة بيت الله أمر ضروري، وعلى الجميع التجند لها، ولو بأقل التكاليف.

وهنا أعلن الملثم أنه سيكون أول من يحمل سلاحه للذود عن القدس.

كان رجلًا حكيمًا بين أهله، عرف بعزة نفسه وذوده عن الحق، لا يخشى في الله لومة لائم. فقد كان مسلمًا موحدًا، يؤمن بوحدانية الله، وأنه لا شريك له، وأنه على نصره لقدير.

استطاع الملثم مع “جنود الخفاء” ضرب جيش العدو نفسيًا، وكسر شوكتهم. كان يرسل “شيفرات سرية” عن طريق تلاوته للقرآن بصوت جهوري يصدح في كل فج عميق، يحاكي فيها الأشجار والحجارة والطير، بغية ترويضهم للمعركة الأخيرة.

كما قد أرسل رسائل مشفرة عديدة لجيشه، فكان تنظيمهم محكمًا، لا يخطئون في مسعاهم، يكبدون العدو خسائر جمّة.

كانت تستمع إلى خطابه، وعيونها تترقرق دمعًا، لكن هذه المرة من قوة خطاب الملثم، وليس حزنًا على فلذة كبدها.

تابعت الاستماع إليه وهو يصيح فيهم، حينها أدركت بأن المعركة هنا كانت بأسلحة متطورة، لا يمكن للعدو معرفتها أو حتى فك شفراتها. لم يكن السلاح الوسيلة التي تهزم العدو، إنما قوة الإيمان والعلم الذي جاء به القرآن الكريم، والذي لم يتعلمه العدو. شعارهم في ذلك:

“يا أعداء الله؛ فلتدرسوا ما استطعتم من القرآن الكريم، ولتعلموا جيشكم الدين الإسلامي ليكون مدسوسًا بين المسلمين، لكنكم لن تفقهوا شيئًا منه؛ لأنه يحتاج إلى بصيرة وحكمة يؤتيهما الله للمصطفين من عباده. إنه سر صمود الإسلام أمام حشودكم، إنها عزيمة وثبات لا تملكونهما أنتم وجيشكم مهما أوتيتم من قوة وعدة؛ النصر حليفنا لا مفر، فشتان بين من يطلب الجنة ومن يبتغ نار جهنم.”

تستيقظ من حلمها ذاك، الذي كان كرسالة ربانية لها بانتهاء الظلم بعد كل هذا الفساد. تستذكر حينها آية من سورة الإسراء، قال الله تعالى:

﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ۝ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: 4-5].

استذكرت وعد ربها بانتهاء الظلم، وبدء فترة أخرى يعود فيها مجد الأمة الإسلامية، وقبله مجد بيت المقدس؛ ذلك المكان المطهر، مهبط الأنبياء والرسل، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فتخمد تلك الحرائق التي اشرأبت داخلها منذ بدأ طوفان الأقصى.

والآن، ها هي تنسج من أشعة الشمس أملًا جديدًا يحييها، ململمة ما تبقى من ذكريات خاذلة في حقائب النسيان، فتلتئم الجراح بضماد القرآن، وتُكنس القلب من وصبه، فيُجبر الخاطر، وتتنفس الصعداء، بداية من أرض العزة والكرامة، أرض الشهداء.

استيقظت أختها على صوت ترتيلها القرآن، فعجبت لأمرها، فقالت لها:

مضى وقت طويل لم أسمع فيه صوت ترتيلك يا “فاطمة”.

ابتسمت فاطمة وأجابتها:

لقد نسج لنا أبطال غزة وشهداؤها أملًا جديدًا لنحيا حياة كريمة على أرضنا الطاهرة، ونصلي ببيت المقدس، فضحوا بأنفسهم نصرة لهذه الأرض التي شهدت على كل قطرة دم نزلت من أجسادهم، فإني، والله، أحسب ولدي، وقبله زوجي، شهيدين لأجل مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فمعليش، كله فدا الأقصى، وفدا أرضي بيهون!

أميرة غربي
أديبة – الجزائر

  • أديبة جزائرية
    أميرة غربي أديبة جزائرية من ولاية سطيف، تهتم بالأدب والثقافة، وتكتب في مجالات الرواية والقصة وأدب الطفل، مع اهتمام خاص بالقضايا الفكرية والإنسانية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، كما تعمل مدققة لغوية. صدر لها عدد من الأعمال الأدبية، من أبرزها «نحو القمة»، ورواية «حياة بين الفسق والنور» الحائزة على المرتبة الأولى في مسابقة دار رسائل للنشر والتوزيع سنة 2022، إلى جانب النوفيلا الإلكترونية «رحلة الليالي السبع». كما تشارك في مبادرات ثقافية وتربوية تهدف إلى نشر الوعي وتعزيز القيم الإنسانية من خلال الأدب.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.