السبت, أكتوبر 3, 2026
الصفحة الرئيسية الرواية والقصة أحمد غانم عبد الجليل – العراق: قصّة بعنوان “مغيب وبقايا فجر”

أحمد غانم عبد الجليل – العراق: قصّة بعنوان “مغيب وبقايا فجر”

7 زائر 9 دقائق اقرأ

هي:

دخلنا بهو الفندق، نتصنّع ذات اللهفة التي كانت تغمرنا عند بدء علاقتنا ونتكتّم عليها أمام الناس، بل نُخفيها عن أنفسنا لو استطعنا، نتبادل الابتسام الخفي عن العيون، مهما بلغ قربها ومتابعتها تصرفاتنا.

حتى الآن نحاول أن نبقى على ذات عهدنا في خلوات العشق، من خلالها نتشبّث بالماضي الذي يبدو لنا جدّ بعيد، نحاول التغافل عن مدى ذلك البُعد، ولو بأبسط الإيماءات والهمسات واللمسات… إلا أن عيني أحدنا تبقيان مرآة للآخر، لا تُحسن الخداع أبدًا، ولا في أدق التفاصيل.

صرتُ بين ذراعيه بالصورة التي يرغبها دومًا لكي تُنشيه لذتها من القبلة الأولى… عيناه تتنقلان مع حركة يديّ وأصابعي نحوه، تتسلل إلى أضلع صدره العاري، كما لو أنه تحرّر من ثيابه بمجرد عبورنا عتبة الغرفة.

هو:

كل شيء يشي بترهّلٍ اجتهدنا أن نُلقي عبء زمنه عنا بعض الوقت؛ ترهّل كل شيء فينا ومن حولنا، لا في عنفوان جسدينا فحسب. هجستُ دبيبه يعاود أصابعي لدى ملامسة صدرها، تحتويني بالكامل دقات قلبها، ألق عينيها، وعذوبة صوتها المتوجّس من مغادرة خجل البكارة.

كل مرة تفوح بعبق دفء اللمسة الأولى؛ قطرات من ندى صافٍ تتسلل إلى رضاب شفتيها المخضبتين بذات لون طلاء الشفاه الذي جذبني منذ أن رأيتها، كان شائعًا جدًا بين الفتيات في ذلك الحين، فقد كانت تضعه بطلة إحدى المسلسلات المدبلجة التي بدأت قناة التلفاز الوطني الثانية بثّها على مدى أشهر، حتى صار ذلك اللون يحمل اسم الممثلة ساطعة الجمال، إلا أنها ظلّت لديّ الأبهى من نساء الأرض كافة.

كانت تظنني أبالغ، أو أنه من ثنايا أبيات الشعر التي كنت أحفظها بمجرد أن أقرأها عدة مرات على الأكثر، وأحاول محاكاتها في خواطري بلا جدوى.

انزحتُ عنها قليلًا، فبدت طيّات اللحاف بيننا مثل تل يفصلنا عن بعضنا، تل صغير لكنه يأخذ بالعُلو شيئًا فشيئًا، لقاءً بعد آخر. ينقلب كل منا على جنبه؛ مرة أعطيها وجهي فتوليني ظهرها، وأخرى بالعكس، وكأننا نواصل لعبة جذب الحبل دون أن يتعلم أيٌّ منا متى يشد ومتى يتوجب عليه أن يُرخي، كما لو كنا نتحدى أنفسنا من خلال تحدّي أحدنا الآخر.

يصعب علينا حتى الشرح ومحاولة الفهم والتفهّم بصوت مسموع، دون أن تستدرج أحاديثنا زوابع الغضب وزمجرة الصياح وتراشق الاتهام، فننوي خصامًا لا نستطيع إطالة أمده، وقد نتحفز لانفصال لا نقوى أن نحقق أيًا من قسوة وعوده الصارخة فينا، فلا نكاد نشرع بالبعد حتى يعاودنا الحنين مثل ريح لا نود أن نسلم من عصفها لنلملم أجنحتنا المجهدة بين أحضان تغور عميقًا في نبض العروق، مهما كابرتُ، وحنقتُ وتحامقتُ، وأوهمتُ نفسي بعشق أخريات.

هي:

كنتُ أشعر بجسد كل من رافق في ثناياه وخلجاته مسترسلة الشهوات بلا أن ينالها شيء من وهن، وإن تفنّن باصطناع البراءة والطهر، وصرخ وراوغ وظل يردد في حنق الأطفال أنه لم يلمس امرأة غيري منذ أن ضمّت قلبينا لُجّة عشق لا يستنفده العمر مهما تعددت عقوده.

لا أفطن إلى ذلك فحسب، إنما أعرف عمر عشيقته، مدى إثارتها وقدرتها على الإغواء، مواصفات جسدها وقوة تشبث ذراعيها به… لو أخبرته بشيء مما أثق بيقين حقيقته، وليس مجرد ظن سارح في فضاء الخيال، لوجد ما يؤكد أن مزاعمي تلك مجرد وسوسة حمقاء تُعربد في ذهن أنثى غيور مستعدة لشحذ أسنة العراك في أي وقت تحت وابل من الوهم، وهم لا أكثر!

مع ذلك، كدت أنطق اسم آخر فاتناته ذات مرة، وهو يحتضنني بانفعال لهفة مبالغ فيها، عرفت أنها وسيلته لإخفاء علاقاته الشهوانية، لا أريد أن أقول غرامية لأني واثقة كل الثقة أنه لم يُغرم بامرأة غيري، وهذه الثقة هي التي جعلتنا نبقى معًا إلى الآن رغم كل شيء.

بدا أمامي مثل الطفل الذي يحاول مداراة فعلة من أفعاله العبثية عن والدته، وليس لها سوى غض الطرف ومراقبة تصرفاته لتعرف نهاية تجربته الشقية.

لم تكن تصغرني بالعمر، بل ربما هي أكبر مني، ولا هي أجمل ولا أكثر إغواءً، ربما فقط لأنها عرفت كيف تداعب حس الإثارة لديه، لترضي غروره، وتستنزف جيوبه أيضًا…

نعم، هو مغفّل في مثل هذه الأمور، شأنه شأن أكثر الرجال مهما تظاهروا بالتعقل والحكمة، لكنه في نهاية المطاف تاجر، اعتاد ألا يعطي أكثر مما يأخذ، مهما تميزت البضاعة في ناظريه عن الأخريات، ومهما ظن أنه سيتمكن من نبذي واستبدال شغف الشباب بدفق ولع جديد، يكتشف بعد حين أنه لا يستطيع ذلك، ليبقى رهاني الرابح دومًا، فيعود إليّ بعنفوان الوجد في أوله، كما لو أن مضي السنوات لم يزدني إلا توهجًا يستفز فحولته أكثر وأكثر.

هو:

سنة تلو أخرى، بل حينًا بعد حين، بدأت أشعر بقيدك يحز حياتي؛ أردتِ السيطرة على كل شيء، وعزلي عن الجميع، رغم أنك كنت تعلمين جيدًا منذ البداية مدى تعلقي بأهلي وعمق مسؤوليتي نحوهم بعد وفاة والدي في الحرب، وقد كان رأس المال الذي بدأت به من استحقاقات الشهيد.

أخبرتك ولم تمانعي، بل أكدتِ الموافقة والحماس، ولما وجدتِ أنهم خط أحمر لا أسمح بتجاوزه أبدًا، استدرتِ نحوي كي تجعليني خاضعًا لك بأي شكل كان، وآه من امرأة تخطط لاستملاك رجل، خاصة وإن وثقت من مدى عشقه لها!

وكنتُ بدوري أنثر عليكِ الأموال، دون طلب منك، فقد كنت أريد أن أتبع كل وسيلة لإسعادك، أن أجعلك أميرة تتميز بسطوة دلالها عن كل من عرفت ولم أعرف من النساء، بكل ما يمتلكن من جاذبية لا أملك منها ملاذًا وأنا في أوج ضيقي منك ومن جنونك المستطير والمهدد بحرقنا معًا، دونما اهتمام بما يمكن أن نفقد ولا يمكننا أن نحظى بفرصة تعويضه فيما بعد.

بدوري، كنت أستمتع بإغاظتك بما تعلمينه عني من مغامرات مع حسان لا يمتلكن عشر سحرك ما أن ألمسك، عندها تتفتت صخور غيظي، منك ومن كل امرأة لم تفلح بمحق دلال طيفك داخلي وأنا في أشد حالات الوله، ولع لا أريد لشيء أو سبب أن يستلبه مني ما طال بي الوقت بين خفق أنفاسك، حتى لو كنت مع عشيقتي قبل ذلك بساعات.

أنا واثق أنك تعرفين بأمر كل خياناتي لك، لكن ما لم تدركيه، ولا أظن أن الشك راودك يومًا بشأنه، أني من كان يهمس لعصافيرك بما أود أن يصلك من أخبار عني.

لو عرفتِ لوصفتِ نزقي بالجنون، أو بالعجرفة والغرور، بعد أن تعلمت ممارسة شتى الألاعيب ومختلف الحيل من الدنيا وأنا أعراكها للهرب من فخ بؤس اليتم الذي احتواني وأنا مراهق دون السابعة عشرة من عمري، بالكاد أستطيع تدبر عبء المساومة عند شراء ملابسي ولوازمي الشخصية، لأصير فجأة، بفضل التضحية (المباركة) من أجل أرض الوطن، تاجرًا حذقًا بسرعة لم يكن لأحد تصورها، ولا حتى أنا.

كنت أخاطر بتدمير حياتي بأسرها، وربما كل ما حققت ليتحول إلى حطام لا قدرة لي على لملمة أشلائه، من ناحية أخرى كانت تداخلني متعة خبيثة تستبق مكر الشيطان، وأنا أستقرئ تعبير الخذلان في ملامح وجهك ونظرات عينيك، فيما أجتهد ألا أتوقف عن هوس يبدو كما لو أنه يهنئني ويقرع كؤوس لذة انتصاري على غطرسة الأنثى داخلك، ذخيرتك التي لا تنفد منك أبدًا.

كل قبلة كانت تتضمن قدرًا (شغوفًا) من الامتنان لعدم انسياقك وراء عته نزواتي، فتسارعين بشن كل حرب ادخرتها ضدي من قبل، وأنا أصر ألا يكون لك أي شأن بتفاصيل أعمالي، من حقك فقط أن تحصلي على المبالغ التي أحددها أنا لتنشغلي بمتعة الشراء والسفر وقضاء أجمل الأوقات برفقة صديقاتك اللواتي ظللن يحسدنك على عشقي واهتمامي بتلبية كل طلباتك، ومن قبل حتى أن تبدئي بالتغنج وسوق المزيد من الدلال لتنفيذها دون تأخير.

إياك إنكار ذلك، وإياك أن تتصوري أن كرم الهبات ذاك كان وسيلتي لخوض تلك المغامرات دون أن أشعر بأي ذنب، أو لشراء سكوتك على خياناتي بحقك وحق عمر من العشق والجنون، عندئذٍ سنكون مثيرين للاشمئزاز جدًا، ونحن لسنا كذلك بالتأكيد.

أكرر امتناني لأنك أكثر تعقلًا مني في كثير من الأمور، لا بد لي من الاعتراف بذلك دون مكابرة، ولو بيني وبين نفسي، ولا بد أيضًا من اعترافي ببقايا المراهق داخلي، المراهق الذي لم يغادرني منذ أن سعيت لنبذه عن عالمي لسبر أغوار الرجولة ومشاقها بلا مقدمات، بلا دليل يشير لي أي اتجاه أسلك، في البداية على الأقل، تطوحت بين مجاهل كثيرة حتى أدركت الطريق الذي يوصلني إلى مبتغاي، فيما كان انجذابي إليك في تزايد مستمر، أكثر من انجذاب أي رجل تجاه امرأة، عاطفة قوية مشحونة بحرمان أدركته جيدًا وتلقفته بحنكة أنثى خبيرة بمواطن ضعف الرجال التي يحاولون مداراتها عن الجميع ما استطاعوا، ولا أدري كيف حدست تلك البراءة المطلة من عينيك الساحرتين سر أزمتي، نعم، أزمة ظلت ترافقني حتى الآن، وربما سوف تبقى حتى نهاية العمر.

خبرتِ كيف تتعاملين معي بصبر وتؤدة، وإن لم تنجحي في كبح جماحي كلما التقيت بواحدة أتأهب لوداعها من قبل أن أنالها، أو أن شيئًا مني يفعل ذلك، يتمرد على جنوحي لأجلك، يرفض ويصيح محتدًا ضد طيش لا ينتهي، يسوقني للهروع إليك، والتهاوي بين ذراعيك المعتادين أن يدركا ما لم أنتبه إليه من مواجع، مهدّهِدين وهج الجمر في أوصالي، وكأنني ممسوس بلفح من نار حرب بلادنا الأولى دون سواها، تلتها حروب عدة، استغلتها قدر استطاعتي من أجل تعويض خسراني القديم الذي أودى باستقرار عالمي.

لعلك تسخرين من كل هذا وتجدينه هذرًا أستغله لإيجاد الأعذار لكل شطحة نسائية تأخذني منك لتعود وتلقيني نحوك أكثر جنوحًا وهيامًا، ولعل هذا أيضًا ما يمتص بعض ثورات غضبك من كل حماقاتي، عبر كل تنهّد وآهة شبق تطلقينها فتسري بين أضلعي كما لو أني أتنفس الحياة من جديد.

هي:

آه، ما أكثر مكرك يا حبيبي! دومًا تبحث عما يسعدك ويبهجك، وإن ارتكبت أشنع الأخطاء، تجادل وتناقش وتفسر وتحلل حتى تصل إلى أفضل تبرير مناسب، مثل سياسيي بلادنا، ولو أنك رغبت في خوض الانتخابات لفزت بأكثر الأصوات، دون اللجوء إلى التزوير، وربما معك كل عشيقاتك الحسناوات أيضًا، توزع عليهن كراسي أعضاء المجلس السابقين!

لكنك كعادتك، تحب أن تبقى قابعًا في الخفاء لتتم صفقاتك بمنأى عن العيون، ومثلها العلاقات التي تعرف كيف تنهيها كما بدأتها، بذات الحسابات الدقيقة والمهارات التجارية التي تتقنها وتتفنن بها من أجل إتمام صفقات ثرائك المتشعبة.

أعرف أنك تخبئ عني حجم أعمالك ومدى اتساعها في الخارج، كما أحسن إخفاء دهشتي أمام أي كان وهو يخبرني عن هذه الصفقة وتلك، دون أن أثور عليك أو حتى أسألك عن سبب عدم إعلامي بضخامة مشاريعك، ولو فعلت لأغرقتني في موج مراوغتك التي عهدتها جيدًا، ولصحت بعلو صوتك العاصف إنك كلمتني عن سعيك الحثيث باستمرار لتأسيس عمل في الخارج، بعيدًا عن الاضطراب الذي تشهده البلاد على الدوام، والضرب من تحت الحزام لصالح من يمتلك علاقات ومصالح أكثر مع ذوي النفوذ الأقوى من الساسة…

لكنك أخبرتني أن لديك بعض الاستثمارات هنا وهناك، وليس أنك صرت شريكًا في مشاريع كبرى تعبر البلاد والمحيطات.

شعرتُ بطعنة خنجر الخذلان أكثر من أي فترة مضت، وأني لن أبرأ من براثن سمه أبدًا، فالأمر لم تكن صفعة توجهها لي خيانة من خياناتك وعلي تحمل آلامها حتى تنتهي من دنسها باحتفالية شبق جموح تقيمها بين أحضاني، إنما هو إقدام على جريمة كبرى تعد لها بعناية، وبلا مبالاة بأن أعلم بمخططك في أي وقت، وكأنك تلوح لي بسيف التحدي من بعيد وأنت تهتف في أذني أنه لا يمكنني فعل شيء لأغير من أي قرار تتخذه أو هدف تعتزم تحقيقه، وأني سأواصل دون جدوى سبر أغوار الصمت، كما فعلت من قبل.

ولما فاجأتني بأنك سجلت بيتنا باسمي، شهقت دون أن أتمالك شيئًا من قدرتي على الكتمان، ليس عن فرح كما ظننت، بل عن توجس أكثر من اقتراب هجرانك لي، وهذه المرة ستكون الحاسمة عبر كل ما جمعنا لأكثر من عشرين عامًا.

عمر طويل من العشق والجنون انصهر في ثنايا ملامحنا، منذ أن عرض علي الزواج ووافقت بلا تلكؤ تتصنع الفتيات دلاله عادة، فقد تجاوزنا مثل تلك المواقف التمثيلية والمثيرة للسخرية، وكل منا كان يعرف مدى حاجة الآخر إليه، كما لم أكن أشعر أني أتعَرّى أمامه وعيناه تنتشيان برذاذ أنوثة لم يمسسها رجل قبله، فأترك يديه وقبلاته ترتشف من فوح عذوبته ما أن نجد مكانًا يحجبنا عن الدنيا ولو لعدة دقائق، دون أن أخلع شيئًا من ثيابي، ولا أن أتوجس مما يمكن أن يخالجه نحوي من ظنون.

كنت لي وكنت لك ما إن جمعتنا ذات النظرات، كما لو أننا عرفنا وخبرنا مشاعر وأفكار بعضنا منذ الصغر، ولم يعد هناك سبب للمداراة غير المجدية، فما أن تطلعت إلى لمعان عينيك حتى حدست ما تخفيان، كما لو أني أبصر ما أدركني من حب لم أدرك أني سوف أحظى بمثله يومًا، وصدقت كل كلمة تقولها بثقة من يذكر حقيقة مؤكدة لا تقبل الشك، أنك لم تكن تفكر في الارتباط قبل أن تراني وتتعرف علي، ولا بعد عشر سنوات.

حينئذ كنت في بداية طريق حصولك على الثروة التي قررت انتزاعها، ولو كانت بين أنياب الذئاب من تجار الحروب التي استلبت إحداها والدك. أحببت كثيرًا صخب انفعالك وإصرارك على خوض غمار دنيا المال مهما واجهتك وغلبتك المعارك، حفزني تحديك الشرس أكثر لكي أكون معك في معترك غزواتك، ولأكون من أولى غنائمك، متحدية بدوري مطالب الأهل في توفير أفضل مستوى يليق بابنتهم، على غرار ما يقدم للفتيات الأخريات من الأصدقاء والأقارب.

جبت معه كل تعرج دروبه، محتملة تعلقه المرضي بوالدته وأشقائه الذين ظلوا بمثابة الخط الأحمر بالنسبة لي، فلا مجال أمامي لتخطيه بأي حال من الأحوال، وإن تعذرتُ بمستقبل أبنائنا واحتياجاتهم الملحة، لا بطلبات زوجة عانت في سبيل عشقها الكثير ومن حقها الحصول على التعويض المناسب بعد (فورة) الغنى التي حظيت بها بأسرع مما كنت أتوقع.

ابنتان وولد، ما بين المرحلة الثانوية والجامعية، إحدى البنتين معقود قرانها من ابن أحد رجال المال والسلطة، زواج تقليدي لم تمانعه ما إن فرضه عليها والدها الحبيب، مما أثار سخطي بقدر ما انتابني من فرح، مثل كل تباين وتذبذب في المشاعر أخذ يجتاحني بوتيرة متصاعدة حتى صار الحب بالنسبة لي أقرب إلى أحجية شديدة التعقيد وعسيرة الحل.

سوف يسافران بعد الزواج ليستقرا في الخارج، كما خطط والده، كي يباشر ابن الثراء والسلطة المدلل أعماله ويدير ثروته المهربة أمام أعين الجميع المتفقين على التغاضي فيما بينهم، بما في ذلك وسائل الإعلام المتحرية كشف الفساد دومًا، وبالتأكيد زوجي (المخلص) لديه نصيب من تلك الأعمال المتخفية بين ركام بلادنا، ولعله ينوي اللحاق بهما ما أن يتخلص من وجودي (الحميم) في حياته، لكن إن فعل شيئًا مثل هذا حقًا فهو بالتأكيد لم يعرفني بعد.

خرجا من الفندق الذي اعتادا الإقامة فيه مدة شوق أحدهما للآخر، يبدوان كعاشقين يتسللان خفية عن الأعين التي تترصد خطاهما طول الوقت، وفي كل مكان، كي يُعثر عليهما متلبسين بعريهما دون أن يوهبا فرصة للإنكار أو الهروب من لعنة المواجهة.

ركبت إلى جانبه في سيارته الفارهة التي أخذت تسير بسرعة في شوارع المدينة، بينما ضياء الفجر ينساب في الأفق ويدنو منهما مع دوران العجلات، كما لو كانا في مهمة لم يكن من سبيل لتأجيلها حتى حلول النهار.

هجست أنه يمكن أن يتوقف بالسيارة في أي مكان ليجبرها على النزول، كما لو أنه التقط عاهرة من الشارع، يخبرها أنه قد انتهى منها ولا يرغب بوجودها في حياته مستقبلًا، وأنه سوف يستبدلها بامرأة أخرى، شابة فاتنة، وتصغرها بعشرين عامًا أو أكثر، والأهم من هذا لن تخطط لسرقته بأساليب إبليس لتقيم مشاريعها الخاصة من وراء ظهره بحجة تأمين مستقبلها الذي تزداد مخاوفها بشأنه مع تمدد التجاعيد في قسمات وجهها، قبل أن تسارع بمحوها عبر وخز خفيف ومتتابع من إبرة (البوتوكس).

لكن أيًا من هذيان توجسها لم يحدث، فقط راحت السيارة تمرق من شارع لآخر حتى وصلا بيتهما. همس لها عند عتبة الباب الداخلي وهو يفتحه، بابتسامة بدت لها مراوغة، أنهما سوف يعاودان لعب دور العاشقين السريين في أقرب فرصة، فأومأت برأسها إشارة الموافقة في حياء عروس أول ليلة الزفاف، بينما سطع في عينيها لمعان خبره جيدًا عندما تستعد لأمر ليس له أن يكشف سره، إلا إن شاءت له بذلك.

أحمد غانم عبد الجليل
كاتب – العراق

  • كاتب عراقي
    من مواليد بغداد سنة 1973، حاصل على بكالوريوس في الاقتصاد من جامعة بغداد. أصدر عددًا من الروايات والمجموعات القصصية، من أبرزها: بين الجنة والنار، عند شواطئ أندلوسيا، نساء من بلاد الشرق، رواية للبيع، عصفورة الكواليس، نقطة في الذاكرة… رفاق النقطة، محطات الهروب والعشق، واللعب على طاولة النخبة. نُشرت له قصص ورؤى أدبية في عدد من الصحف والمجلات والمواقع الثقافية، كما كتب مسرحية «مجنون الثورات». وقد حظيت أعماله باهتمام نقدي، حيث تناولها عدد من النقاد في دراسات وكتب نقدية متخصصة في السرد والرواية العراقية.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.