السبت, أغسطس 8, 2026
الرئيسية » محمد هادي عون – تونس: نصّ بعنوان “سأنسى الطيران”

محمد هادي عون – تونس: نصّ بعنوان “سأنسى الطيران”

442 زائر 1 دقائق اقرأ

أمشي،
وعلى جسدي
يدهسني الطريق،

أحملُ غبارَ ألمي
على جلدي

سأعبرُ على
آخرِ جروحي،
آخرِ كلماتي،
وأبياتِ أشعاري.

أما الآن، ومع انتظاري
الطويل،
سأفقدُ صوتَ أجنحتي
وسأنسى الطيران،

ولن أشعرَ باتساع
سماءِ الوطن

وسأشي بنفسي لي
واستكن بين
جدران التماهي

وسأقتبس من
تجلي ندمي كفن

وسأرقد هنا في
دنيا الجمود
دون أمل.

أنا لم أعد أكتب ذاكرتي،
أحاصرها وتحاصرني،
أكذب عليها فتكذبني

أقول لها إن الطريق سطرت
لنا فنحن لا نفقه الجغرافيا

تقول لي كان دربًا اخترناه
وكنا نمشي معًا
ونسقط وننهض معًا
ولكن بصوتنا اخترناه
بصرخاتنا بدموعنا اخترناه

هذه الذاكرة الخفية المترصدة
تعاديني وترفض
خنوع أحرفها
ونفاق المعاني

أما أنا فقد تعبت
من ذكريات يوليو
وأعياد تمّوز
وكل أيام الأسبوع
ومنتصف النهار
ومراسيم الفجر
والليل الطويل

فأنا سجين الأيام،
أنا عبد السراب والانتظام.

والآن وهذه الزنزانة تلتهم الكلمات
سأصنع للمعاني أجنحة
وسأكسر جدار الصمت.

إن وجودي قصيدتي،
إن حريتي
تلك الصرخات
بين أسطر أشعاري
تلك الزفرات
وشبق الطيران

واليوم أيتها الكلمات
الفارة من أقداري،
سأبحث عنك،
سأرفع صوتي،
وأقطف أشواكي،
وأدون بقلمي وطني.

وسأجمع ما تبقى
من سنوات القحط،
والضياع
وسأكتب عن المنفى،
وانحباس الكلمات،

وسأغني لكل من غاب
وألتحف جدران الوطن
حتى الممات

فأيها السواد، هل انتهيت؟
أيها الظلم، هل ارتويت؟

فلقد سئمت انتظار دوري
ولم أعد شغوفًا بالنشيد والعلم،
وألفت حزني ووجعي،
وذلك الضبّ المتفاني،
وتلك الكلاب والعفن

وسحبت من ذاكرتي
عشرون وطنًا،
واستعبدت روحي
مثلها أو أكثر زمن.

والآن
مسجون الكلمة،
أغني بصمت
واختلس لساني
تحت دثاري،
وآكل جسدي
وجبة في منفى
الأفكار.

ولوطني أنا
اعتزازي وافتخاري،
أقتبس له
من لغة الضاد
معاني العزة والانتصار.

كم كنت مهووسًا
بالضوضاء،
كنت ضوضائيًا
أستيقظ على فوضى الكلام،
وأرفع يدي إلى السماء
لتراني وتسمع قراري.

واليوم أزدري
الطريق، والطريقة
واتحسس خطايا، بين الحفر
وأتوه في غياهب الحرف،
وأستدرك كلما قلت:
أتذكر يومًا
كنت ضوضائيًا
يومها كان لي
وطني وصوتي وقراري.

فأصرخ في صدري
لن أحترق شمعةً
والفكر يُرجم بالحجر
فلغتي تشبهني وحدي
في هذا الزمان والزمن

ولكن سيأتي موسم التجلي
وتعود الطيور لهذا الوطن

وغدًا نتعلم الطيران معًا
وتتسع سماء الفكر لنا
ونبني معًا الأمل
ونبني معًا الوطن

الشاعر محمد هادي عون

  • شاعر تونسي
    محمد الهادي عون هو شاعر تونسي معاصر وناشط ثقافي، وُلد في 21 ديسمبر 1974 بمدينة نابل، تونس. إلى جانب اهتمامه بالأدب، يمتلك خلفية أكاديمية في مجالات الإعلامية وتطوير البرمجيات، ويعمل في مجال التسويق الإلكتروني، حيث يدير عدة مشاريع ومواقع إلكترونية من بينها مجلة "نيابوليس" الثقافية التي تُعنى بالأدب والفكر والإبداع التونسي والعربي. يُعرف محمد الهادي عون بإسهاماته الواسعة في تنشيط الحركة الثقافية والأدبية بالجهة، فقد أطلق وشارك في تنظيم العديد من الفعاليات والمبادرات الأدبية من أبرزها: ملتقى "عشاق الشعر"، وسلسلة "مجالس الأنس والأدب"، و"منبر الأنس والأدب"، إلى جانب مشاركته في لقاءات ثقافية نظّمتها المكتبة الجهوية ودار الثقافة بنابل. كما نُشرت له قصائد في مجلات أدبية تونسية وعربية، ما جعله يُعد من الأصوات الشعرية الحاضرة في المشهد الثقافي الحديث. من أبرز أعماله الشعرية قصيدة "اللؤلؤة"، التي كتبها بمناسبة عيد الأمهات ونُشرت في ماي 2023. تحمل القصيدة بُعدًا وجدانيًا عميقًا، حيث يصوّر فيها مشاعر التقدير والحنان تجاه والدته، ويُشبّهها بالحورية والملاك، موضحًا عجز اللغة عن الإحاطة بعظمتها، ليُهديها في النهاية "لؤلؤة" رمزية تعبّر عن محبته ووفائه. وقد لاقت القصيدة صدىً واسعًا وتأثرت بها والدته تأثرًا كبيرًا عند سماعها. يمزج عون في كتاباته بين الشعر والنثر بأسلوب شفاف وعاطفي، ويهتم بمواضيع الأسرة، الذاكرة، الحب، الوطن، والحنين، مما يجعل شعره قريبًا من القارئ، صادقًا في التعبير، ومرتبطًا بالتجربة الإنسانية اليومية.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.