الأربعاء, يونيو 3, 2026
الرئيسية » في إمكان التخييل الفلسفي لقيم بديلة: حين يصير الحنان قوام الرجولة

في إمكان التخييل الفلسفي لقيم بديلة: حين يصير الحنان قوام الرجولة

بقلم / أ. نادرة معمر قاسمي 

228 زائر 5 دقائق اقرأ

في ثقافات ظلّت قرونا تؤسّس صورة الرجولة على القوة والصرامة والانفصال العاطفي، يبدو طرح الحنان كقيمة رجولية بمثابة رجّة معرفية وزلزال رمزي يهزّ البديهيات. فما الذي يجعلنا نربط الرجولة بالصلابة لا باللطف؟ ولماذا لا نرى في الحنان سوى علامة أنثوية أو ضعفا؟

في هذا الإطار، لا نقدّم إجابة جاهزة، إنما سنحاول أن نفتح فضاء فلسفيا للتفكير في رجولة بديلة، لا تقوم على الهيمنة بل على الشراكة، لا تُختزل في الحماية بل تنفتح على الرعاية والتعاطف. إنه تمرين على التخييل الأخلاقي والجندري، تمرين على إعادة خلق الإنسان من خلال قلب القيم، حيث يغدو الحنان هو القوة، والرقة هي المعنى، والرجولة فعل حبّ لا فعل سيطرة.

ليست الرجولة حقيقة طبيعية ثابتة بقدر ما هي بناء ثقافي تشكّل عبر تاريخ طويل من التمثلات الاجتماعية التي ربطت الذكورة بالصلابة وكبت العاطفة والسيطرة على الانفعال. غير أن هذا الربط، حين يُفكّك فلسفيا، يكشف عن طابعه التاريخي لا الضروري. إذ لا يوجد ما يجعل القسوة شرطا جوهريا للرجولة، بقدر ما اعتادت المجتمعات النظر إليها بوصفها دليلا على القوة. ومن هنا، لا يعود السؤال: هل يستطيع الرجل أن يكون حنونا؟ بل يصبح السؤال الأعمق: ماذا يحدث لمفهوم الرجولة ذاته حين يصبح الحنان قيمة مركزية فيه؟

يبدو هذا التساؤل كأنه منتم إلى الأدب الحالم أو الطوباويات النسوية، لكنه في عمقه سؤال فلسفي عن إمكانية إعادة بناء القيم، وإعادة تصور الإنسان، والرجولة، والعلاقة بين القوة والضعف، من منظور يتجاوز ثنائيات الثقافة التقليدية.

تذهب بعض القراءات الكلاسيكية للنوع الاجتماعي إلى التعامل مع الرجولة كهوية مستقرة، إلا أن بعض الدراسات بيّنت أن هذه الهوية ليست سوى أداء اجتماعي متكرر. تؤكد جوديث بتلر أن “الجندر” ليس جوهرا طبيعيا، إنما هو فعل اجتماعي متكرر يُنتج وهم الثبات عبر التكرار الاجتماعي والسردي. وعليه، فإن ما يسمّى رجولة صلبة هو نمط أداء تم ترسيخه عبر المؤسسات التربوية والثقافية، وليس معطى طبيعيا.

في هذا السياق، يصبح استبعاد الحنان من الرجولة نتيجة لا ضرورة، بل اختيارا ثقافيا مرتبطا بنظام قيمي يربط القوة بالهيمنة. غير أن هذا النظام نفسه قابل للمساءلة حين نعيد التفكير في معنى القوة: هل هي السيطرة أم القدرة على بناء علاقة إنسانية متماسكة؟ هل هي الإنكار أم الاحتواء؟

وغالبا ما يُختزل الحنان في الخطاب السائد بوصفه انفعالا هشّا أو تعبيرا عاطفيا ناعما، لكن هذا التحديد يغفل بعده الأخلاقي العميق. في فلسفة الرعاية، يُنظر إلى الحنان بوصفه شكلا من الانتباه الواعي للآخر بوصفه كائنا هشّا يحتاج إلى الاعتراف. بهذا المعنى، لا يعود الحنان انفعالا سلبيا، بل ممارسة أخلاقية تتطلب مسؤولية وانخراطا وجوديا.

كما يمكن ربط هذا التصور بما ذهب إليه إيمانويل ليفيناس حين جعل من وجه الآخر مصدرا للالتزام الأخلاقي، حيث يسبق النداء الأخلاقي أي سلطة أو سيادة ذاتية. في هذا الأفق، يصبح الحنان فعل قوة واستجابة أخلاقية للآخر، لا تعبيرا عن العجز، لأنه يتطلب قدرة على الاحتواء والإصغاء وضبط نزعة التسلط.

تكمن المشكلة الأساسية في أن الثقافة التقليدية اختزلت القوة في السيطرة والتحكم والانغلاق العاطفي، وهو اختزال ينتج أشكالا من الرجولة تقوم على الخوف من الضعف أكثر مما تقوم على الثقة بالنفس. أما التصورات الفلسفية المعاصرة، فتقترح تحولا نحو فهم أكثر تعقيدا: القوة كقدرة على الانفتاح، وعلى تحمّل الهشاشة، وعلى الاعتراف بالآخر.

في هذا السياق، يمكن استحضار نقد ميشيل فوكو لفكرة السلطة بوصفها ملكية تُحتكر، إذ يبيّن أن السلطة شبكة علاقات وليست جوهرا ثابتا. وبالقياس، فإن الرجولة ليست حالة مغلقة تُقاس بدرجة القسوة، ولا تقوم على الصلابة، إنما هي شبكة علاقات تتشكل داخلها الذات وتُعاد صياغتها باستمرار. وهنا، يمكن القول إن الرجل الحنون ليس أقل قوة، بل هو يعيد تعريف القوة خارج منطق الهيمنة.

قد يُعترض على هذا التصور بالقول إن جعل الحنان قيمة مركزية في الرجولة يؤدي إلى تمييع الفروق بين الذكورة والأنوثة، أو إلى تأنيث الرجل. غير أن هذا الاعتراض يفترض مسبقا أن الرقة حكر على النساء وأن القسوة حكر على الرجال، وهو افتراض ثقافي أكثر منه حقيقة إنسانية. فالحنان ليس قيمة أنثوية بالضرورة، إنما قيمة إنسانية. كما أن اختزال الرجولة في الصلابة الدائمة يضع الرجل نفسه داخل نموذج قمعي يمنعه من التعبير عن خوفه وضعفه وحاجته إلى القرب الإنساني.

وقد بيّنت رايوين كونيل، في نقدها لمفهوم الذكورة المهيمنة، أن المجتمعات لا تفرض القسوة على النساء فقط، بل على الرجال أيضا حين تجعل الاعتراف بالعاطفة تهديدا للهوية الذكورية.

ولا يقتصر الربط بين الرجولة والقسوة على الثقافة الحديثة، لكنه ليس التصور الوحيد في التراث العربي والإسلامي. فقد ارتبطت مفاهيم مثل المروءة والفتوة تاريخيا بمعاني الشهامة والرحمة وحماية الضعيف، لا بمجرد العنف أو التسلط. كما أن هذه الصورة في المخيال الإسلامي تجمع بين الشجاعة والرحمة، بما يكشف أن القوة لم تكن دائما نقيضا للحنان. وهذا يدل على أن إعادة التفكير في الرجولة ليست قطيعة مع التراث بالضرورة، بل يمكن أن تكون استعادة لجوانب إنسانية أُهملت لصالح نماذج أكثر خشونة وهيمنة.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إثبات أن الرجل يمكن أن يكون حنونا، بل في تغيير التخييل الاجتماعي الذي يمنع هذا الإمكان من أن يُعترف به. فالقيم تعيش في المخيال الجمعي وفي المفاهيم أيضا، أي في المخيال الجمعي الذي يحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض.

هنا يصبح التخييل الفلسفي أداة نقدية لإعادة بناء المعنى، إذ يسمح بتصور نموذج رجولة لا يقوم على القطيعة مع العاطفة، بل على دمجها ضمن بنية الهوية. هذا ما تسعى إليه بعض المقاربات النسوية المعاصرة التي تدعو إلى تفكيك ثنائية الصلابة/اللين بوصفها ثنائية قمعية تعيد إنتاج أنماط غير متكافئة من السلطة.

نستنتج إذن أن جعل الحنان جزءا أساسيا من مفهوم الرجولة لا يندرج ضمن مجرد تعديل سلوكي أو إصلاح أخلاقي، بل هو إعادة بناء عميقة لمفهوم الذات الذكورية في جوهره. فحين يعاد تعريف القوة باعتبارها قدرة على الرعاية والانفتاح بدل الهيمنة والسيطرة، يتحول الحنان إلى علامة اكتمال لا إلى مؤشر ضعف.

ومن هنا، لا يعود السؤال المطروح: هل يجوز للرجل أن يكون حنونا؟ بل يصبح: أيّ تصور للرجولة نرغب في إعادة إنتاجه؟ أهي رجولة تخشى العاطفة وتعتبرها تهديدا، أم رجولة ترى في الحب والرعاية شكلا أرقى وأعمق من أشكال القوة؟

وعليه، فإن الطرح الفلسفي لا يكتفي بالدعوة إلى تحلّي الرجل بالحنان، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة مفهوم القوة ذاته: فما جدوى أن يكون الإنسان قويا إذا كانت قوته عاجزة عن الحب والاعتراف بالآخر واحتوائه؟

المراجع:

  • سيكولوجية الرجل العربي، عدنان حب الله، دار النشر الأبيار الجزائر، تحقيق المركز العربي للأبحاث النفسية والتحليلية، 2004، بيروت – لبنان، ص 14-19.
  • النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، هشام شرابي، مركز دراسات الوحدة العربية، 1992، بيروت، ص 56-92.
  • تكوين العقل العربي، محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، ج 2-3، ط 8، بيروت – لبنان، 2000، ص 88.
  • Butler, J. (1990). Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity. Routledge.
  • Connell, R. W. (1995). Masculinities. University of California Press.
  • Foucault, M. (1976). Histoire de la sexualité, Vol. 1: La volonté de savoir. Gallimard.
  • Levinas, E. (1961). Totalité et Infini. Martinus Nijhoff.
  • كلمة “جندر” تعني النوع الاجتماعي، وهي تختلف عن كلمة “الجنس”. فالجنس هو الاختلاف البيولوجي بين الذكر والأنثى، مثل الأعضاء الجسدية والهرمونات. أما الجندر، فيعني الأدوار والسلوكيات والتوقعات التي يحددها المجتمع للذكور والإناث. مثال: في بعض المجتمعات يُتوقع من الرجل أن يكون قويا ولا يُظهر مشاعر، وهذه فكرة اجتماعية، بينما كون الشخص ذكرا أو أنثى من حيث الجسد فهذا جنس بيولوجي.
  • الجندر يعني كيف يرى المجتمع دورك كذكر أو أنثى، وليس فقط كيف خُلقت بيولوجيا.

بقلم / أ. نادرة معمر قاسمي 

  • باحثة وكاتبة تونسية
    قيمة مرشدة أولى وباحثة دكتورا في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية صفاقس-تونس

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.