الصفحة الرئيسية قصيدة النثر محمد هادي عون / تونس: نصّ بعنوان “أصلُ القضيةِ”

محمد هادي عون / تونس: نصّ بعنوان “أصلُ القضيةِ”

بمناسبة عيد المرأة العالمي 2026

74 مشاهدات 1 دقائق اقرأ

على أرضها الريفيةِ
تمشي وخطاها
تفاوضُ حجارةَ الطريقِ.

ترسمُ لوجهها لوحةً
بين الوجعِ والتعبِ.

قدماها اللّتانِ
نَسِيَتا طلبَ اللجوءِ،
وهي تكتبُ على شظايا
الصخورِ أمانيها المحرّمةِ.

وكأنها سحابةٌ
صيفٍ ظمأى،
تقاومُ رياحَ الحرمانِ
وتنتظرُ كلمةَ السماءِ
لتطفئَ عطشَها.

تعادي عرشًا، تعادي سدا
لتستردَّ حقَّها الأزليَّ:
كأسَ ماءٍ كاملَ الدسمِ.

على أرضها سيدةُ الماءِ
تحتكرُ رحلةَ الشتاءِ
والصيفِ.
على دربِ الماءِ الثمينِ

حمّالةُ الماءِ، سيدةُ الجبالِ،
ترسلُ رسالةً لمن
تهمّهُ كرامةُ المرأةِ
الريفيةِ
وكرامةُ الإنسانِ.

وعند الفجرِ على ضفافِ
التمدّنِ
كانت المرأةُ
ها هنا تفقدُ الروحَ خلستا
بين أزقةِ الجمودِ
المثقلةِ بآهاتِ الغيابِ.

هناك تُنسى نساءُ الضفافِ،
وتُنسى تلك المرأةُ،
التي تزرعُ
على الرصيفِ وردةً
لتذبلَ في الدجى.

تلك التي ترنو إلى السماءِ
عند المنتصفِ،
وتطلقُ نداءً يصعدُ من
جوفها الخاوي نحوَ جياعِ الأرضِ،
ثمّ تعودُ بوجهها لتكنسَ
ترابَ السرابِ والأمنياتِ في صمتٍ.

وعند المساءِ تختفي
لتتركَ الحياةَ للأحياءِ،
وتشيّعُ
جسدها المنهكَ
إلى مقبرةٍ
ليس لها عنوانٌ.

ومن حسنِ حظها
وجدت شبه قبرها العائليَّ
لتحتميَ به من سكونِ الليلِ المخيفِ.

وراحت تحرّكُ
كأسَ الذكرياتِ،
هنا شهدت
ولادتَهُ
يتيمًا
وكانت أيضًا يتيمةً.

أحبّت أخاها،
الصغيرَ.

ونسيت منذ ولادته
شيئًا ثمينًا،
ذلك الشيءَ:
سنواتِ عمرها وأثرَها
الأثيرَ.

أعطته تلك الحياةَ
وذلك الأثرَ المنيرَ.

وكبر وكبرت،
وكبر وعجزت،
ثم غدر،
وكيّف آيةَ الميراثِ
وسرق إرثها الصغيرَ،
وتركها على طريقِ البداياتِ
حافيةَ القدمينِ،
تسوّلت، تمرّغت،
جاعت وخافت،
بكت بكاءَ المحرومينَ.

باعت أوراقَ المراحيضِ،
أكلت بقايا الآخرينَ.

رفعت عينيها
لربٍّ منتقمٍ متينٍ،
ذرفت دموعَ
المظلومِ والمساكينِ.

نطقت، لا لم تنطق،
دعت عليه،
لا لم تدعُ.

تذكّرت فيه
الطفلَ الصغيرَ.

قلبها الذي حمل
الحبَّ له
قد كسره عندما
أصبح وغدًا خصيمًا.

تلك المرأةُ ترسل
رسالةً
لمن يهمه
إقامةَ العدلِ
بين البنات والبنين.

المرأة هي البداياتُ
هي الأرضُ
والتاريخُ والحرياتُ.

وبين ذاك وذاك تُبنى لها حدودٌ
وتحطّم حدودًا للعبوديةِ.

وتبقى بين الأمسِ واليومِ
هي السكنُ وأصلُ القضيةِ.

الشاعر محمد هادي عون

  • شاعر تونسي
    محمد الهادي عون هو شاعر تونسي معاصر وناشط ثقافي، وُلد في 21 ديسمبر 1974 بمدينة نابل، تونس. إلى جانب اهتمامه بالأدب، يمتلك خلفية أكاديمية في مجالات الإعلامية وتطوير البرمجيات، ويعمل في مجال التسويق الإلكتروني، حيث يدير عدة مشاريع ومواقع إلكترونية من بينها مجلة "نيابوليس" الثقافية التي تُعنى بالأدب والفكر والإبداع التونسي والعربي. يُعرف محمد الهادي عون بإسهاماته الواسعة في تنشيط الحركة الثقافية والأدبية بالجهة، فقد أطلق وشارك في تنظيم العديد من الفعاليات والمبادرات الأدبية من أبرزها: ملتقى "عشاق الشعر"، وسلسلة "مجالس الأنس والأدب"، و"منبر الأنس والأدب"، إلى جانب مشاركته في لقاءات ثقافية نظّمتها المكتبة الجهوية ودار الثقافة بنابل. كما نُشرت له قصائد في مجلات أدبية تونسية وعربية، ما جعله يُعد من الأصوات الشعرية الحاضرة في المشهد الثقافي الحديث. من أبرز أعماله الشعرية قصيدة "اللؤلؤة"، التي كتبها بمناسبة عيد الأمهات ونُشرت في ماي 2023. تحمل القصيدة بُعدًا وجدانيًا عميقًا، حيث يصوّر فيها مشاعر التقدير والحنان تجاه والدته، ويُشبّهها بالحورية والملاك، موضحًا عجز اللغة عن الإحاطة بعظمتها، ليُهديها في النهاية "لؤلؤة" رمزية تعبّر عن محبته ووفائه. وقد لاقت القصيدة صدىً واسعًا وتأثرت بها والدته تأثرًا كبيرًا عند سماعها. يمزج عون في كتاباته بين الشعر والنثر بأسلوب شفاف وعاطفي، ويهتم بمواضيع الأسرة، الذاكرة، الحب، الوطن، والحنين، مما يجعل شعره قريبًا من القارئ، صادقًا في التعبير، ومرتبطًا بالتجربة الإنسانية اليومية.

اقرأ أيضا

أترك تعليقا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.