215 الجزء الثامن والستون: حين يسبق القلبُ الحقيقة في تلك الليلة، لم أنم. كان ثمة شيءٌ غامض يتحرك في داخلي. ليس خوفًا. وليس قلقًا. كان إحساسًا قديمًا أعرفه جيدًا، ذلك الذي يأتي بلا موعد، ويجلس في القلب دون أن يشرح نفسه. لطالما أخطأت حين كذّبت إحساسي. كنت أقول لنفسي: ربما أبالغ. ربما الخوف القديم يتحدث. ربما الذاكرة تجعلني أرى الأشباح في الضوء. لكن الواقع، في كل مرة، كان يعود ليضع يده على كتفي ويقول: كان قلبك يعرف قبل عينيك. في الصباح، وصلني منه اتصال. كان صوته مختلفًا. قلت: ماذا حدث؟ قال: لا شيء. ابتسمت. أنت أيضًا تقول «لا شيء» حين يكون هناك شيء. ضحك قليلًا. ثم صمت. كان الصمت هذه المرة طويلًا. قلت: هل تريد أن تخبرني؟ قال: أخشى أن أخبرك فتبتعدين. أغمضت عيني. ها هو الإحساس إذن. ذلك الخيط الذي لم أستطع رؤيته، لكنه ظل يشد قلبي طوال الليل. قلت: الحقيقة لا تجعلني أبتعد. ثم أضفت: الذي يجعلني أبتعد هو أن أعرف أنني كنت أعيش داخل نصف حقيقة. تنفس بعمق. وقال: عُرضت عليّ فرصة عمل خارج باريس. سكتُّ. لم يكن الخبر مخيفًا. لكنني شعرت أن شيئًا ما في داخلي ينكسر. قلت: إلى أين؟ قال: لندن. نظرت إلى النافذة. كانت السماء رمادية. قلت: ومتى؟ بعد شهر. أغمضت عيني. كنت أعرف. لم أعرف التفاصيل، لكنني عرفت أن شيئًا سيضع المسافة بيننا مرة أخرى. وللمرة الأولى لم أغضب من إحساسي. شكرته. لأنه لم يكن يحاول أن يخيفني. كان يحاول أن يهيئني للحقيقة. الجزء التاسع والستون: أشعلني كشمعة في المساء التقينا. جلسنا طويلًا دون كلام. ثم قلت له: أتدري ماذا كتبت اليوم؟ قال: ماذا؟ أخرجت دفتري وقرأت: أشعِلْني كشمعةٍ في مهبِّكَ.. ولا تلُمِ الضوء إن اتَّسعَ في العتمة.. فروحي فتيلٌ، ودفؤكَ نجاتي.. نظر إليّ طويلًا. ثم قال: لا أريد أن أشعلك حتى تحترقي. ابتسمت. وأنا لا أريد أن أكون شمعة تحترق من أجل أحد. اقترب قليلًا. إذن ماذا تريدين؟ قلت: أريد حبًا يضيء، لا حبًا يلتهم. سكت. ثم أمسك يدي. لم يكن في يده وعد. كان فيها دفء. وهذا كان كافيًا. قال: ربما لم تأتِ حياتنا كي نبقى معًا بالطريقة التي تخيلناها. قلت: وربما جاءت كي نتعلم كيف نحب دون أن نمتلك. قال: وهل يكفي ذلك؟ نظرت إلى عينيه. أحيانًا يكون هذا هو الحب كله. في تلك الليلة لم نتحدث عن المستقبل. جلسنا فقط. وكانت يدي في يده. لا أكثر. لكنني شعرت للمرة الأولى أنني لا أحتاج إلى أكثر. الجزء السبعون: الرحيل الذي لم يكسرني جاء يوم سفره. هذه المرة لم يكن المطار مفاجأة. كنا نعرف. ولهذا كان الوداع أكثر قسوة. في صالة المغادرة، وقف أمامي. قال: هل أنتِ حزينة؟ قلت: نعم. وخائفة؟ قليلًا. وتريدين مني أن أبقى؟ نظرت إليه. ثم قلت: أريدك أن تبقى لأنك تريد، لا لأن حزني طلب منك ذلك. ابتسم. ولهذا أحبك. قلت: وأنا أحبك لأنك لم تجعلني أختار بينك وبين نفسي. احتضنني. وكان عناقه هذه المرة مختلفًا. لم يكن عناق شخصين يخافان الفقد. كان عناق شخصين يعرفان أن ما بينهما أكبر من مدينة. حين ابتعد، قال: إذا كتب لنا اللقاء، سنلتقي. قلت: وإن لم نلتقِ؟ نظر إليّ طويلًا. ثم قال: ستبقين أجمل شيء حدث لي. ابتسمت رغم دموعي. وأنت ستبقى الرجل الذي علّمني أن الحب لا يحتاج إلى قفص كي يبقى. ثم ذهب. راقبته حتى اختفى. ولم أركض خلفه. لم أنهَر. لم أسقط. فقط وضعت يدي على قلبي. كان يؤلمني. لكنني كنت حيّة. الجزء الحادي والسبعون: المرأة التي لم تنتظر مرت سنة. ثم أخرى. كنت أكتب. أنشر. ألتقي بالناس. أعود إلى باريس أحيانًا. وأذهب إلى السين. لكنني لم أعد أجلس على المقعد القديم لأنتظر. كنت أجلس لأتذكر. وهناك فرق شاسع بين الاثنين. الانتظار يربطنا بشخص غائب. أما الذكرى فتتركه يمضي دون أن تأخذ معه حياتنا. في إحدى الليالي فتحت دفتري وكتبت: “لم أعد أنتظر أحدًا.” ثم أضفت: “ليس لأنني لم أعد أحب، بل لأنني تعلمت أن الحب لا يعني تعليق الحياة على باب شخص.” أغلقت الدفتر. ثم ابتسمت. لقد عدت أخيرًا إلى نفسي. لكنني لم أعد المرأة التي كانت تهرب منها. كنت امرأة تعرف أن الماضي جزء منها، لا سجنها. الجزء الثاني والسبعون: الرسالة الأخيرة بعد أشهر، وصلتني رسالة منه. لم تكن طويلة. كتب: “رأيت اليوم امرأة تشبهك تمشي تحت المطر، فتوقفت.” “ثم تذكرت أنك علمتني ألا أركض خلف الأشباه.” “فابتسمت ومضيت.” “هل تعرفين ماذا أدركت؟” “أنني لم أعد أبحث عنك في الوجوه.” “لأنك صرتِ جزءًا من الطريقة التي أرى بها العالم.” قرأت الرسالة. وبكيت. لكنني لم أبكِ لأنني أريده. بكيت لأنني فهمت أخيرًا أن بعض الناس لا يعودون إلى حياتنا… لأنهم لم يغادروا أرواحنا أصلًا. كتبت له: “وأنا أيضًا لم أعد أبحث عنك.” “لكنني كلما رأيت السين، تذكرت أن هناك رجلًا علّمني أن أحب دون أن أمتلك.” “وكلما رأيت المطر، تذكرت أن بعض اللقاءات لا تُقاس بمدتها، بل بما تغيّره فينا.” “أتمنى أن تكون بخير.” ثم توقفت. لم أكتب: “اشتقت إليك.” لأن بعض الكلمات حين نعرف قيمتها، لا نكتبها إلا عندما نكون مستعدين لتحمل معناها. الجزء الثالث والسبعون: حين عدت إلى النافذة في آخر ليلة لي في باريس، وقفت أمام النافذة. كانت المدينة هادئة. والسين تمضي تحت الجسر كأنها تحمل كل الحكايات التي مرت من هنا. فتحت دفتري. كتبت: “جئت إلى باريس وأنا أظن أنني أهرب.” “غادرتها وأنا أعرف أنني كنت أعود.” “لم تكن الغربة هي المشكلة.” “كنت أنا الغريبة عن نفسي.” “وكل ما حدث هنا لم يكن إلا طريقًا طويلًا كي أعود إليّ.” ثم كتبت عن أبي. عن أمي. عن أبنائي. عن الرجل الذي أحببته. عن كل الأبواب التي أغلقت في وجهي. وعن كل الأبواب التي فتحتها بنفسي. ثم وصلت إلى آخر الص ھدى حجاجي أحمدكاتبة وروائية – مصر