31 الجزء الأول: امرأة من الضوء لم تكن تعتزل الناس لأنها تكرههم، بل لأنها كانت تعرف أن كثرة الأصوات تُربك القلب، وأن الإنسان قد يعيش بين آلاف الوجوه، ثم يعود إلى بيته غريبًا عن نفسه. كانت تمشي في المدينة كأنها تعرف سرًّا لا يعرفه أحد. تبتسم للباعة، تساعد العابرين، تحمل عن العجوز كيسها، وتترك للأطفال حلوى صغيرة في أيديهم، ثم تمضي. كان الجميع يظن أنها امرأة سعيدة. لم يعرف أحد أنها كانت تتقن إخفاء الحزن كما يتقن البعض ارتداء العطور. كانت تضع ابتسامتها كل صباح أمام المرآة، تتأملها قليلًا، ثم تقول: “اليوم أيضًا… يجب أن أكون بخير.” ولم تكن بخير. لكنها كانت تعرف أن العالم لا يحتاج إلى معرفة كل شيء. بعض الوجع كرامة. وبعض الصمت نجاة. الجزء الثاني: الزجاج قالوا عنها أشياء كثيرة. قال أحدهم إنها متكبرة. وقال آخر إنها غامضة. ورأى ثالث أنها تعيش في عالم خاص لا يسمح لأحد بالدخول إليه. لم تدافع عن نفسها. كانت تعرف أن الناس يحبون الصور أكثر من الحقائق، وأنهم حين يعجزون عن فهم روحٍ ما، يصنعون لها تفسيرًا يناسبهم. أحاطوها بزجاج آرائهم. لكنها كانت تمر من بينهم كالشعاع. لا تتلون بألوانهم. ولا تنكسر حين يصطدم بها سوء ظنهم. كانت قد تعلمت منذ زمن أن الإنسان الذي يقضي عمره في إثبات نفسه للآخرين، يخسر نفسه في النهاية. لذلك تركتهم يقولون. ومضت. الجزء الثالث: حطام الأحلام في إحدى الليالي، جلست على الأرض. أخرجت صندوقًا خشبيًا صغيرًا من خزانتها. كان الصندوق مليئًا بأشياء لا قيمة لها في نظر الآخرين: رسالة قديمة. صورة باهتة. مفتاح لا يفتح شيئًا. وشريط حريري احتفظت به منذ سنوات. وضعت الأشياء أمامها. ثم بدأت تبكي. لم يكن بكاؤها صاخبًا. كانت دموعًا هادئة، تشبه المطر حين يسقط على نافذة لا ينتبه إليه أحد. قالت: “كم من الأشياء ماتت في داخلي دون أن يعرف أحد أنها كانت موجودة أصلًا.” ثم جمعت دموعها كما تجمع الأم طفلها الخائف. وفي الصباح، أعادت كل شيء إلى الصندوق. وأغلقت الغطاء. لكنها لم تعد المرأة نفسها. كانت قد دفنت جزءًا من ماضيها. وأنجبت من رماده امرأة جديدة. الجزء الرابع: الذين نضيء لهم كانوا يأتون إليها حين تنطفئ حياتهم. واحد يشكو حبيبًا رحل. وآخر يخاف الغد. وثالث فقد ثقته بنفسه. كانت تستمع. لا تقاطع أحدًا. ثم تقول جملة صغيرة، فيعودون إلى بيوتهم وكأن أحدًا أشعل مصباحًا داخل صدورهم. لم يسأل أحد: من يضيء لها؟ كانت تمنحهم من الضوء الذي جمعته بصعوبة من أعوامها المعتمة. وحين يقولون لها: “أنتِ قوية.” كانت تبتسم. لأنهم لم يعرفوا أن القوة أحيانًا ليست سوى اسم آخر للإنسان الذي لم يجد من يسنده. الجزء الخامس: وسادة الصمت حين تنام المدينة، تبدأ حياتها الحقيقية. تغلق الباب. تخلع ابتسامتها. تضعها على الطاولة بجوار مفاتيح البيت. ثم تجلس طويلًا في الظلام. هناك فقط، لا تحتاج إلى أن تكون قوية. تبكي كما تشاء. تتذكر. تغضب. تسامح. ثم تعود إلى نفسها. كانت وسادة الصمت تعرف كل أسرارها. تعرف أسماء الذين خذلوها. وتعرف أسماء الذين أحبتهم رغم أنهم لم يعرفوا كيف يحبونها. وتعرف كم مرة قالت: “لا بأس.” بينما كان كل شيء فيها يقول: “بل هناك بأسٌ كثير.” الجزء السادس: أجنحة من ندوب ذات صباح، نظرت إلى يديها طويلًا. تذكرت كم مرة ظنت أن الحياة كسرت جناحيها. لكنها اكتشفت شيئًا آخر. لم تكن بلا أجنحة. كانت أجنحتها فقط مغطاة بالندوب. اقتربت من المرآة. لم تبحث عن وجهها. بحثت عن المرأة التي أصبحتها. وقالت: “أنا لست ما حدث لي.” ثم ابتسمت. “أنا ما فعلته بكل ما حدث لي.” كانت تلك أول مرة لا تخجل فيها من ندوبها. لقد فهمت أخيرًا أن بعض الجروح لا تأتي لتشوهنا، بل لتعلّمنا كيف نطير دون أن نعتمد على الريح. الجزء السابع: غريب لا يتكرر قالوا لها: “لماذا لا تشبهين أحدًا؟” أجابت: “لأنني لم أخلق لأكون نسخة.” قالوا: “ولماذا لا تدخلين في قوالبنا؟” قالت: “لأن روحي أوسع من القالب.” ثم مضت. لم تعد تخشى أن تكون مختلفة. فقد أدركت أن الاختلاف ليس عزلة، وأن الوحدة ليست دائمًا هزيمة، وأن الإنسان قد يقف وحيدًا في جانب الطريق، لكنه يكون للمرة الأولى واقفًا في المكان الصحيح. كانوا يريدونها نسخةً منهم. أما هي، فاختارت أن تكون نفسها. الجزء الثامن: حين طارت في مساء هادئ، خرجت إلى الشرفة. كان الهواء خفيفًا. والسماء ممتدة كصفحة جديدة. أغمضت عينيها. لم تعد تسمع أصوات الذين حكموا عليها. ولا همسات الذين لم يفهموها. ولا ضجيج الماضي. سمعت شيئًا واحدًا فقط… صوت قلبها. كان يقول: “لقد نجوت.” فتحت عينيها. لأول مرة، لم ترَ المرأة التي قضت عمرها تخفي ألمها. رأت امرأةً تحمل ندوبها بفخر، وتعرف أن الضوء الذي يخرج منها لم يكن هبةً مجانية. لقد دفعته من عمرها. من لياليها. من دموعها. من أحلامها التي دفنتها بيديها. ومع ذلك… لم تصبح قاسية. وهذه كانت معجزتها. أن العالم آذاها كثيرًا، لكنها لم تسمح له أن يحوّلها إلى نسخة منه. رفعت وجهها نحو السماء. وفردت جناحيها. لم يرها أحد. لكنها هذه المرة… لم تكن بحاجة إلى أن يراها أحد. ھدى حجاجي أحمدكاتبة وروائية – مصر