118 جلست منى على حافة الرصيف، والليل يثقل المدينة بسكونه الثقيل، كأنّ كلّ شيء يراقبها بصمت. في يدها دفتر قديم، الصفحات مشوّهة من الكتابة والممحاة، لكن الكلمات لم تعد تأتي بسهولة. الأحلام التي طالما كتبت عنها صار لها صدى بعيد، بعيد جدًا عن يديها اليوم. دخل أخوها مروان بعد يوم طويل في المصنع، جسده منهك، ووجهه شاحب من التعب. جلس على الكرسي المقابل، لم يفتح فمه إلا بعد صمت طويل:– اليوم لم أستطع أن أفعل شيئًا.-ولماذا؟– لأن ما أفعله لا يكفي. لا المال، لا العمل، لا شيء. نظرت إليه منى بعينين متعبتين، حاولت أن تبتسم، لكنها فشلت:– وأنا أحاول أن أحلم… وأن أكتب.– الحلم… منى… أحيانًا يجعلنا نخسر كل شيء، حتى ما لم نكن نملكه أصلًا. مرّت الأيام، ومنى تحاول الكتابة، محاولة بيع كلماتها الصغيرة، محاولة إقناع نفسها أن ما تفعله يعني شيئًا، لكنها كانت تخسر كل يوم أكثر من اليوم السابق: كلمات لم تُشترَ، أحلام لم تُسْمَع، وقسوة الواقع تتغلغل في قلبها. وذات مساء، بعد يوم مرهق بلا عمل ولا مردود، جلست أمام دفترها. الصفحات البيضاء تتحدّاها. كتبت بضعة أسطر، ثم توقفت. دمعة واحدة انزلقت على الورق:“الحلم… أصبح ثقيلًا. لم يعد ينقذ شيئًا. الواقع يأخذ أكثر مما يمكن تحمّله.” سمعها مروان واقفًا عند الباب، صامتًا. لم يقل شيئًا، لأنه يعرف أن الكلمات هذه المرة ليست عن أمل، بل عن الاستسلام البطيء. جلست منى على الأرض، تتنفس بصعوبة، تشعر بأن العالم كله ينهار حولها، وأن كل ما حلمت به صار وهمًا. دفترها بقي مفتوحًا على الطاولة، لكنه لم يعد مصدر حياة، بل شاهدًا على ما فقدته: الوقت، الفرص، الطاقة… وحتى الأمل. وفي قلب الليل، لم يعد هناك ضوء صغير، ولا بقايا نور. فقط صمت ثقيل يحاصرها من كل جانب، وصوت الحياة يتدحرج بعيدًا كما لو أنها لم تكن موجودة أبدًا. الكاتبة هدى حجاجي أحمد