الأربعاء, نوفمبر 4, 2026
الصفحة الرئيسية قصة قصيرة جدا مواكبات أدبية: في تونس، الرواية من بيتها تحتفي بعرسها

مواكبات أدبية: في تونس، الرواية من بيتها تحتفي بعرسها

181 زائر 6 دقائق اقرأ

في الوقت الذي تشهد فيه الحياة الأدبية تراجعًا مقارنة بالمجال الفني الموسيقي والمسرحي، ظلّت الرواية التونسية حاضرة في المشهد الثقافي الوطني من خلال الأنشطة المختلفة التي تنظمها مؤسسة «بيت الرواية»، بإدارة القاص يونس السلطاني، لتؤثث هذه المؤسسة عدة أنشطة تحتفي بالنص الروائي والسردي وبالنشر الروائي.

مواكبات أدبية: في تونس، الرواية من بيتها تحتفي بعرسها
القاص يونس السلطاني

وفي هذا الإطار، وضمن «سلسلة راعي النجوم» التي تشرف عليها هذه المؤسسة، انتظم مساء أمس، 29 أكتوبر الجاري، لقاء أدبي خُصّص لتقديم المجموعة القصصية «أشجار تودّع ظلالها» لعادل الجريدي، وهو كاتب تونسي صدرت له أعمال في الشعر والنقد والمقالة والقصة.

وقد واكب وحضر هذا اللقاء عدد من المبدعين الذين أثروا النقاش، مع مداخلة كل من الأستاذ سمير بن علي المسعودي بعنوان «القص الوجيز بين الالتزام بالحدود ومحاولة التنافذ الأجناسي»، إلى جانب مداخلة قدمتها الأستاذة إسمهان الماجري، وجاءت تحت عنوان «آليات القصة القصيرة جدًا عند عادل الجريدي».

وفي الإطار ذاته، اختارت مؤسسة «بيت الرواية» أن تحتفي بالرواية التونسية في احتفاء سنوي يعدّ الخامس من عمر هذه التظاهرة، والتي حطّت الرحال بالمكتبة الجهوية بقابس، لتأخذ الروائيين في محجّ إلى هذه المدينة على مدار ثلاثة أيام، وتحديدًا من 23 إلى 25 أكتوبر الجاري، حيث تباحثوا في محور «الرواية الخضراء: تحوّلات السرد وأسئلة البيئة»، ومن خلال مجموعة من الجلسات الحوارية التي اهتمت بـ**«مفهوم الرواية الخضراء وإشكالية التحديد»** و**«الرواية الخضراء وتشكيل الهوية»** و**«جماليات الكتابة في السرد الأخضر»** و**«الرواية الخضراء ورهانات العالم المعاصر»**.

ومن خلال مجموعة من المحاضرات، تناول عدد هام من النقاد والروائيين عدة مساجلات تتعلق بالرواية الخضراء أو الرواية والإيكولوجيا، والرواية الخضراء وأسئلة البيئة، والرواية الخضراء من النقد الريفي إلى النقد البيئي، والرواية الخضراء وإعادة تخيّل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، والرواية المعاصرة بين تأثر الكاتب بالطبيعة ووعيه بقضايا التحول البيئي، والوعي الإيكولوجي في الرواية التونسية، والرواية بوصفها تجربة فلسفية للأرض، والرواية الخضراء وتشكيل الهوية، والجذر والانبتات في الرواية الخضراء، وجماليات الكتابة في السرد الأخضر، والسردية الخضراء بين إنصاف البيئة ومساءلة الروائي، والتمثيلات الإيكولوجية في السرد التونسي، وتقديم مقاربات في التمثلات الاجتماعية والنقد البيئي.

كما تناولت الاحتفالية دراسة نماذج من الروايات ذات الصلة بالبيئة، من خلال قراءة في روايات «حنّة» و**«مدينة الشموس الدافئة»** لمحمد الباردي، و**«المتورنة»** لفوزية الزواري، و**«خوخة»** لإبراهيم العبيدي، و**«النبّاشون»** لسوسن جميل حسن، و**«نواعير الشرّ»** لجميلة الشريف، و**«لعنة الموتى»** للمنوبي زيّود.

ويشار إلى أن احتفائية الرواية التونسية في دورتها الخامسة انتظمت تحت شعار «الرواية الخضراء: تحوّلات السرد وأسئلة البيئة»، وذلك تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية وبالشراكة مع مؤسسة تأمينات كومار. وهي تظاهرة بدأت تترسّخ وتنحت لها مسلكًا مخصوصًا يهدف إلى الاحتفاء بالروائيين التونسيين، ويحرص على مزيد تثمين وإبراز تجاربهم الإبداعية إثراءً للمدونة السردية. فبعد مدن طبرقة والمنستير وتوزر والكاف، كان الموعد في ربوع قابس، بتراثها الثقافي الزاخر ومخزونها الحضاري وجمال طبيعتها من واحة وبحر وجبال وصحراء.

وسجّلت الندوة تفاعلًا كبيرًا من المشاركين فيها، إذ اعتبرت الأستاذة رشيدة الشارني أنه:

«ليس من قبيل الصدفة أن ينظم بيت الرواية في تونس ندوة علمية عن الرواية الخضراء وأسئلة البيئة في قابس… فهذه الواحة الفاتنة تشهد تلوثًا حادًا بسبب ما يضخه المصنع الكيميائي من سموم أضرّت بالبشر والحيوان والبحر والشجر… والإشكالية تدعو إلى تناولها أدبيًا أيضًا واقتفاء أثرها في السرد، لا سيما وأن تيار الرواية الخضراء يتنامى حضوره في الأدب العالمي بالتوازي مع اختلال النظام البيئي. ولهذا كانت الأيام الثلاثة التي أمضاها المساهمون في الندوة موعدًا لتداول هذا المبحث المهم، ومقاربة جهازه المفاهيمي وتحولاته ودوره في تشكيل الهوية وجمالياته ورهاناته، والنبش عن أثره في المنجز السردي التونسي والعربي والعالمي، واستقراء ملامح الوعي الإيكولوجي عند السارد وهواجسه تجاه البيئة كشريك للإنسان في الحياة».

ومن جانبه، اعتبر الأستاذ عبد القادر عليمي أن هذه الندوة كانت:

«تأملات في عرس السرد والبيئة باحتفائية تليق بوعي الكلمة وجماليات المكان، والتأمت تحت عنوان لافت وموجّه، ومن قناعة المشاركين في تأثيثها أن الثقافة ليست رفاهية، بل هي نبض الوجود وقوام استمراره».

ومن جهتها، اعتبرت الأستاذة عفيفة سعودي سميطي أن:

«أجمل ما في تجربة “بيت الرواية” أنّه أخذ اسمه، في مساره المتنقّل، إلى معناه الأبعد؛ فلم يعد البيت عنوانًا تقصده الرواية، بل صار بيتًا يقصد الرواية حيث تنبت، في ذاكرة المدن، وفي تضاريس الأمكنة، وفي وجوه الناس التي لم تدخل بعدُ دفاتر السرد، ليكتشف هذا البيت الروائي أن للوطن غرفًا كثيرة، وأنّ لكل مدينة نافذتها الخاصة على الحكاية… وفي قابس، اكتسب هذا الارتحال دلالة أشدّ كثافة… فقد كان اللقاء يحمل سؤال الخضرة إلى مدينة تتذكّر خضرتها، وتحمل في بحرها وواحتها ذاكرة جمال أثقلته التحولات البيئية. بل لم يكن اللقاء بين الرواية والمدينة لقاء موضوع بمكان، بل لقاء سؤال بسؤال: ماذا تستطيع الكتابة أمام ما يتهدّد الحياة؟ وهل يكفي أن تروي الرواية وجع الأرض، أم أنّ عليها أن توقظ في الإنسان مسؤوليته عمّا أصابها؟ وقد بدا اختيار قابس، بما تحمله من جراح بيئية وذاكرة حضارية، وطرح سؤال “الرواية الخضراء” على أرضها، تعبيرًا عن حسّ ثقافي يدرك أن الأدب لا ينفصل عن أسئلة الحياة، وأنّ المدينة ليست مجرّد مكان يحتضن الندوة، بل شريك في إنتاج معناها… فقابس لا تنتظر مزيدًا من التجاهل، ولا أن يُقابَل صوت أبنائها المطالبين بحقّهم في بيئة سليمة بالعقاب والتضييق، بل تنتظر قرارات تنصف الأرض والإنسان. ولعلّ أجمل ما يمكن أن تفعله الرواية أن توقظ الضمير، لكنّ إنقاذ المدينة يظلّ مسؤولية من يملكون سلطة القرار. فلا يكفي أن تستعيد قابس خضرتها في السرد، بل ينبغي أن تستعيدها في الحياة».

أما الأستاذة خيرية بوبطان فأكّدت:

«تنوع محاور الاهتمام في المداخلات؛ فمنها ما انشغل بمفهوم الرواية الخضراء وأسئلة البيئة، ومنها ما تناول الرواية الخضراء وتشكيل الهوية، ومنها ما بحث في جماليات الكتابة في السرد الأخضر، فيما اهتم فريق آخر بالرواية الخضراء ورهانات العالم المعاصر. وهي مداخل شائكة وشيقة اجتهد أصحابها في كتابتها وتقديمها، حيث تناول كلٌّ من الحاضرين الموضوع من زاوية فهمه لـ”مدخل جنين” لقراءة النص الروائي. ولعلّ الأمر قد أشكل على أغلبنا، لكنّ هذا، في حدّ ذاته، كان أحد وجوه جمال التجربة؛ إذ إن اختلاف الرؤى ووجهات النظر لا يثري المبحث فحسب، بل يفتح أمامه آفاقًا جديدة، ويسهم في تطويره».

ومن جهته، اعتبر الأستاذ عبد الرزاق السومري أن اللقاء كان رحلة إلى منارات الحرف وواحات الكرم، وأنه كان بحثًا حصيفًا عن أبعاد «الرواية الخضراء» في بطون الكتب وعلى منصات الفكر، إذ:

«ما كانت الرواية لتكتسي بخضرتها وتورق بأفكارها، لولا خضرة قلوب القوابسية الغضّة بالمحبة، الممتدة بالجمال والشهامة كواحات قابس العصيّة على الجفاف… ففي هذا اللقاء امتزج وعي الفكر بنقاء السريرة، وتلاقت الرؤى كما تلتقي سواقي الواحة لتصنع حياة متجددة وتؤثث الندوة بأرقى حوار».

واعتبر الأستاذ أيمن بن محمد دغسني أنه خلال هذا الملتقى:

«تحوّلت الكتابة إلى ذاكرة للأرض وصوت للطبيعة. وفي زمن تتعاظم فيه التحديات البيئية وتتسع فيه الأسئلة المتصلة بمستقبل الإنسان وعلاقته بالطبيعة، اكتست مبادرة تنظيم هذا الملتقى بولاية قابس أهمية ثقافية وفكرية خاصة، باعتبارها محاولة لفتح آفاق جديدة أمام الإبداع الأدبي، وإعادة التفكير في دور الرواية بوصفها فضاءً جماليًا قادرًا على مساءلة الواقع واستنطاق التحولات البيئية التي يشهدها العالم… ولا تبدو قابس مجرد حاضنة جغرافية لهذا الملتقى، بل تمثل في حدّ ذاتها نصًا بيئيًا مفتوحًا على أكثر من قراءة؛ فهي المدينة التي يتعانق فيها البحر والواحة والجبل، وتتجاور فيها ذاكرة الخضرة مع أسئلة التلوث والتحولات الصناعية، بما يجعلها فضاءً رمزيًا ملائمًا لطرح العلاقة الشائكة بين الإنسان ومحيطه الطبيعي. كما انتظم الملتقى لمسألة قدرة الرواية على تجاوز وظيفتها الجمالية نحو الإسهام في بناء وعي إنساني جديد بقضايا الأرض والمناخ والموارد الطبيعية… فالأدب البيئي لا يختزل الطبيعة في مجرد خلفية للأحداث أو ديكور سردي تتحرك داخله الشخصيات، بل ينظر إليها باعتبارها كيانًا حيًا وشريكًا في إنتاج المعنى، ومن هذا المنطلق، تتحول الأشجار والأنهار والبحار والواحات إلى عناصر فاعلة في تشكيل المصائر الإنسانية، ويغدو المكان حاملًا لذاكرة جماعية تتقاطع فيها الأسئلة الوجودية والاجتماعية والبيئية. كما أتاحت المداخلات المخصصة لهذا المحور فرصة لمقاربة الرواية من منظور النقد البيئي، وهو اتجاه نقدي يهتم بدراسة العلاقة بين النصوص الأدبية والعالم الطبيعي، ويبحث في الكيفية التي تعيد بها الكتابة تشكيل تصورات الإنسان عن الأرض والكائنات والموارد ومظاهر الاختلال البيئي. كما فتح هذا التوجه بابًا للتساؤل عن موقع الرواية العربية والتونسية من القضايا البيئية الراهنة، ومدى قدرتها على استيعاب التحولات والتغييرات المناخية والتلوث والتصحر وندرة المياه، لا بوصفها موضوعات عابرة، وإنّما باعتبارها قضايا تتصل اتصالًا عميقًا بالعدالة الاجتماعية والحق في الحياة والذاكرة والمكان».

وعمومًا، كان ملتقى «الرواية الخضراء» قد طرح تساؤلات عالقة تنتظر الأجوبة، بما يتماهى مع تحولات السرد وأسئلة البيئة، كما مثّل فرصة للنقاش والتداول حول جملة الأسئلة التأسيسية والمستجدة، وذات الصلة بمبحث يتنزّل في سياق الاهتمام المتزايد بالعلاقة المعقدة بين الإنسان والطبيعة، وما نجم عنها من آثار التلوث والتغير المناخي واستنزاف الموارد وفقدان التنوع الحيوي، بحثًا عن إعادة النظر في التصورات الفلسفية والاجتماعية والثقافية لعلاقة الإنسان بمحيطه البيئي، والكشف عن الارتباط الوثيق بين العلاقات البشرية والمحيط البيئي في النصوص الأدبية، وترسيخ الوعي بانفتاح الدراسات المقارنة على الدراسات البيئية التي تتعرض لها النصوص الأدبية في وصف الطبيعة أو التغني بها، على اعتبار أنّ الكتابة السردية أداة بإمكانها إعادة تعريف العلاقة مع الطبيعة والحفاظ على التوازن البيئي.

بقلم / أميرة قارشي
المراسل / منصف كريمي
صحفي – تونس

  • إعلامي تونسي
    كاهية مدير المؤسسات والتظاهرات الثقافية وعضو خلية المهرجانات الصيفية بالمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بجندوبة مكلف بالاتصال والاعلام

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.