الأحد, أغسطس 9, 2026
الرئيسية » كثافةُ الترميز وبلاغةُ اللغة في « وحدهم يعبرون الجسر » للشاعر التونسي البشير عبيد

كثافةُ الترميز وبلاغةُ اللغة في “وحدهم يعبرون الجسر” للشاعر التونسي البشير عبيد

35 زائر 4 دقائق اقرأ

نقدّم الآن قراءةً ودراسةً تحليليةً ونقديةً لقصيدة صديقنا الأديب والناقد القدير، والشاعر التونسي؛ المحلّق عربيًّا في سماء القصيدة، المسافرة إلى أقاصي الحلم والذاكرة، الأستاذ/ البشير عبيد، فنقول وبالله التوفيق:

أولًا: اختيار موضوع للقراءة والدراسة النقدية

عنوان الدراسة المقترح:

«جماليات العبور وترهين الذات: قراءة نقدية تفكيكية في قصيدة “وحدهم يعبرون الجسر” للشاعر البشير عبيد»

ثانيًا: التناول النقدي الشامل للقصيدة

1. عتبة العنوان (بنيويًا ودلاليًا ومناسبة)

بنيويًا: يتكون العنوان من جملة اسمية خبرية (مبتدأ + فعل مضارع + مفعول به). حذف الشاعر المعرّف بـ(الـ) في «وحدهم» ليُحدث حالةً من التخصيص والعزلة الشعورية. الفعل المضارع «يعبرون» يمنح النص ديمومةً وحركيةً لا تتوقف.

ودلاليًا: «الجسر» ليس مجرد بناء خرساني، بل هو برزخ فاصل بين واقع مأزوم (التيه، الحروب العبثية، المماليك) وأمل مجهول أو ضفة أخرى للرؤيا. وكلمة «وحدهم» تؤكد صفوة هذا العبور وبطولته الهادئة (الانتفاء من القطيع).

المناسبة: تُحيل القصيدة إلى واقع عربي ومحلي محتشد بالانكسارات والتحولات السياسية والاجتماعية (المشار إليها بـ«خامس من تشرين»، «العسكر»، «الغزاة الشقر»)، معبّرةً عن وجدان الجمع المحمّل بالخيبات والباحث عن خلاص.

2. الذروة الفكرية للقصيدة

تتجلى الذروة الفكرية في الصراع بين «غياب المدد وصمود الفكرة». على الرغم من تكرار مقولة: «انتصف الليل ولم يأتِ المدد»، «طلع النهار ولم يأتِ المدد»، إلا أن النص لا يسقط في الفجائعية المطلقة؛ بل يتسامى عبر مقولة الشيخ الضرير: «باقون هنا كالشجر السامق في الجنوب / لأحفادنا بهاء الفكرة وكبرياء المعنى». الذروة هي التمسك بالوجود والذاكرة كفعل مقاومة أخير.

3. القيمة التربوية والإنسانية

تحمل القصيدة مضامين تربوية وتوعوية عميقة، منها:

  • ترسيخ الهوية والذاكرة: عدم التخلي عن «ذاكرة القرى»، «وصايا الأم»، و«حكايا الأجداد».
  • صنع الأمل وسط الهزيمة: التنفير من الحروب العبثية، والارتقاء بالفكر والثقافة («بهاء الفكرة») على حساب الماديات والحروب.
  • الإيثار والتضامن: شعور الفتية والشباب بالمسؤولية الوطنية والإنسانية رغم قسوة العراء والصقيع.

4. الجماليات الأسلوبية

تتنوع الأساليب في النص لخدمة الإيقاع الشعوري:

  • التكرار اللفظي والمعنوي: تكرار الأفعال («يرحلون»، «يعبرون») يجسد حالة الحركة الدؤوبة والتشتت. وتكرار عبارة «انتصف الليل…» يعمل كقرار موسيقي يعمق حزن الانتماء.
  • التضاد والتقابل: مفارقة دائمة بين (الليل/النهار)، (صقيع الضواحي/لهيب المعركة)، (الجسد الهزيل/كبرياء المعنى).
  • أسلوب النفي للتأكيد: («لم تكن»، «لم يأتِ»، «لا خوف») لتثبيت حالات الصمود والتحدي.

5. جماليات الصورة والبناء التصويري وانزياح الصور

تعتمد القصيدة على التصوير السريالي والرمزي القائم على «الانزياح اللغوي» الحاد:

  • الانزياح التركيبي: «ينابيع الظلال»، «حبر الانحياز»، «أقواس الحقيقة»، «ذاكرة المرايا»، «فاكهة الشتاء».
  • التركيب التصويري: لا يرسم الشاعر صورًا تقريرية، بل يركب مشهدًا سينمائيًا مركبًا؛ فنحن نرى الأكتاف الخالية إلا من «حنين الأجساد»، والنوافذ التي أصبحت «ملاذًا للعابرين». إنها صور تشكيلية تعتمد على كسر إيهام الواقع وإعادة بناء المشهد بضمائر وجدانية.

6. الرموز والأيقونة في القصيدة

حشد الشاعر مجموعة من الرموز الأيقونية ذات الثقل المعرفي:

  • الشيخ الضرير: أيقونة الحكمة العربية العميقة، البصيرة بديل الإبصار.
  • الجسر: أيقونة التحول، والعبور من التيه إلى الرؤيا.
  • الغزاة الشقر/زمن المماليك: رموز للقوى الاستعمارية التاريخية والحديثة، والتخلف السياسي.
  • موسيقى الجاز: رمز للحداثة والمشاعر الإنسانية المتحررة والمتمردة.
  • الورقات المكتوبة: أيقونة النضال الفكري والوعي.

7. البنية النفسية للقصيدة

تتحرك البنية النفسية في منحنى متذبذب بين الإنكار والرجاء:

تستفتح القصيدة بـ(الشعور بالشتات، الذهول، والهروب من التيه)، ثم تعلو نبرة الثبات والشعور بالشموخ مع نصائح الشيخ الضرير، لتعود وتهبط إلى القلق والترقب مع ترجيع نغمة (عدم مجيء المدد)، وتستقر أخيرًا عند حالة من «الجسامة والتحدي الواثق» («لا خوف للفتية من ضباع الشوارع»، «لا خوف للبلاد من ضباب مباغت»).

8. حضور الحواس

اشتغل النص على تفعيل الحواس الخمس لتعميق التلقي:

  • البصر: الغيم، العسكر، الشجر السامق، المرايا، نوافذ الضوء.
  • السمع: الهمسات، موسيقى الجاز، حكايا الصبايا، الأصوات المتعالية.
  • اللمس: لهيب المعركة، صقيع الضواحي، الجسد الهزيل، العناق.
  • الشم والذوق: ثمار الحديقة، فاكهة الشتاء، لهيب المعركة.

9. الحرفية العروضية والإيقاع

ينتمي النص إلى شعر التفعيلة (الشعر الحر)، معتمدًا على التدوير والإيقاع الداخلي وتنوع القوافي التي جاءت مرسلةً وحرةً لتلائم التدفّق الشعوري.

يظهر الملمح الموسيقي من خلال الجناس والطباق وتتابع المقاطع القصيرة السريعة التي تجسد سرعة خطوات العابرين، مع السكتات الشعرية المفاجئة التي تخلق إيقاعًا ناهضًا يوازي حراك الجسر.

10. الوحدة العضوية والموضوعية

تحققت الوحدة العضوية والموضوعية بأعلى درجات الاتساق؛ فالنص يمثل وحدةً متكاملةً لا يمكن فصل جزء منها دون إخلال بالمعنى. كل المقاطع تصب في جغرافية موضوعية واحدة: «مأساة الوجود العربي، الهجرة، البحث عن الخلاص، والتسلح بالذاكرة».

11. الملاحظات النقدية على القصيدة

  • التكثيف الرمزي الزائد: في بعض المواضع (مثل مقطع: موسيقى الجاز/ثمار الحديقة/أمطار زمن المماليك) قد يشعر القارئ بتشتت بؤري ناتج عن تزاحم الصور المتباعدة سيميائيًا في مساحة نصية ضيقة.
  • التراوح بين الغنائية والتجريد: انتقل الشاعر أحيانًا بحدة من الواقعية التعبيرية إلى التجريد الذهني، مما يتطلب قارئًا متمرسًا لفك شفرات التلقي.

12. الرأي الشخصي وخاتمة نقدية

الرأي الشخصي: القصيدة عمل إبداعي رفيع يمثل صوتًا مختلفًا في قصيدة التفعيلة التونسية والعربية المعاصرة. استطاع البشير عبيد أن يوازن بين الاشتغال الجمالي الشفاف والتعبير عن القضايا الكبرى دون السقوط في المباشرة أو الخطابية التقريرية.

خلاصة القول (الخاتمة النقدية):

تظل قصيدة «وحدهم يعبرون الجسر» وثيقة شعرية وفلسفية تختزل شتات الإنسان العربي بين المأساة والأمل. إنها وثيقة إدانة للحروب والغياب، وفي الوقت نفسه نشيد انتصار للذاكرة والثقافة والروح الإنسانية العابرة فوق كل الجسور المتهالكة.

13. الثناء والتكريم للشاعر من خلال قصيدته

تحية تقدير وإجلال للأديب والشاعر التونسي القدير الأستاذ البشير عبيد؛

لقد أثبت عبر هذا النص الملحمي أنه مهندسٌ للكلمة، وراسمٌ محترف لخرائط الروح والوجدان. إن قدرته على سكب الفلسفة في قالب شعري متدفّق، ومزج الوعي الحضاري بجماليات الصورة، تجعل منه قامةً أدبيةً نعتز بفيض إبداعها، وصوتًا ينسكب كـ«الضوء الطالع من القبو» ليضيء عتمة الكتابة العربية المعاصرة.

دام لكم الإبداع والتألق والإشعاع، صديقنا الشاعر التونسي المحلّق عربيًا في سماء القصيدة، المسافرة إلى أقاصي الحلم والذاكرة.

وهذه قراءتنا النقدية العميقة للقصيدة، وفقكم الله تعالى…

– أستاذ اللغة العربية والبلاغة والنقد الأدبي بالجامعة المصرية.

الدكتور ناصر أبو زيد القاهرة

  • كاتب وصحفي تونسي
    كاتب وصحفي مهتم بالكتابة الفكرية والأدبية، له عدد من المقالات والحوارات المنشورة في منابر مختلفة. يسعى من خلال مشروعه الكتابي إلى مقاربة القضايا الفكرية والثقافية بأسلوب يجمع بين الرؤية التحليلية والنَّفَس الأدبي، بما يعكس اهتمامه بأسئلة الوعي والتحولات المجتمعية والثقافية.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.