80 في لحظات الفناء الأخيرة، يحاول المرء جاهدًا ألّا تخونه ذاكرته في استحضار كل ما مرّ به، وهنا ليس من باب إعطاء شحنة إيجابية أو تحفيزية للعقل، فهو في مرحلة ما قبل التخدير النهائي، حيث تصبح كل الأضواء المنبعثة من حوله شعاعًا يخترق جدار رحمٍ عقيم، محركًا بقايا وهم ما زال عالقًا بالألم الأول ثم الندبة الثانية. عندها يدرك صاحبها أنه عاش خيبة أقسى من النسيان أو من عدم حضور تلك الفكرة الملحّة للتذكر، يدخل حينها في صراع لا يفضي إلّا إلى فناء معلوم. وفي هذه الحياة لا شيء يستحق الانتظار، ولماذا ننتظر ما لا يأتي؟ ذلك الغريب الذي قد يعيش بيننا أو بداخلنا، لا عنوان له، فهو زائر متخفٍّ يأتي ليجلسك أو ليزعجك أو ليأخذك في مغامرة لا عودة منها. لم أتفاجأ صراحةً عندما نظر الطبيب إليّ وكأن جبينه يتصبب عرقًا وعيناه غائرتان بالدموع، ولكنه كان يبدي لي من خلال حركاته قوةً مزيفة. جلس بعد التدقيق في الملف وقال لي: لا أعرف كيف أقول، ولكن أعتقد أنك قوية جدًا لأن الحياة دائمًا تمتحن الضعفاء، ولكن هذه المرة كان العكس تمامًا. أكمل الطبيب واسترسل في المقدمة التي لا أدري كم من الوقت قضاه وهو يتدرّب عليها ليخبر شخصًا بأن الأيام القادمة التي سيعيشها ستكون آخر مرة تلفح فيها الشمس جسده، وآخر لقاء بينه وبين المطر. شعور بالغضب والمرارة كان يملأ جوارحي. اعتقدت أن الحياة تبدأ من رحم النهاية، كيف ذلك؟! وأنا التي كنت متيقنة أنّي انتهيت منذ زمن مضى. فكرت في تلك اللحظة في أمي فقط: ماذا ستفعل من دوني؟ أو كيف سأفعل أنا من دونها؟ كان هناك دائمًا شعور بأن لحظات الوداع ستكون قريبة جدا. لم أقضِ مع أمي وقتًا كافيًا، كيف سأتركها؟ هل سأخبرها يا تُرى؟ لقد غرقت في أفكاري ونسيت أنني في حضرة الطبيب الذي وجدته ما زال يتكلم. كم يبذل الأطباء ذوو الضمير الحي وقتًا في شرح عدالة الحياة رغم الجحود والنكران! انتفضت من على الكرسي وتركته يتكلم، لم تكن لديّ رغبة كافية في سماع كل الكلمات التي ضاع تأثيرها. لقد غدوت جسدًا نحيلا ذا ملامح مخيفة. تركت العيادة واتجهت إلى أقرب مطعم وطلبت أفخر أنواع الأكل. أعلم أن الشعور قد غاب حتى أنني لن أشعر بمذاق الطعام، إلا أنني كنت أريد اختبار شعور المرارة ممزوجًا بالحلاوة. بعد نصف ساعة غادرت المطعم. لم يكن لديّ رغبة في مواجهة أمي بالحقيقة والتهرب من أسئلتها، ولكي لا أتعرض لكل هذا سرت في طريقي إلى حقل عمي. كان جميلًا جدًا، أمضيت فيه أيامًا وأنا طالبة باكالوريا، وكنت عندما أغضب أذهب إلى هناك. ولكن اليوم سيكون مختلفًا، سأذهب إلى حقل الحياة وأنا أحمل على عاتقي تاريخ موتي. تصبح الكتابة هذه الأيام فعلًا فنيًا صاعقًا ومرهقًا. لن أكتب لكم يتبع… لأنني لا أدري هل سأكون هنا أم هناك. الكاتبة رؤى الأطرش