52 الشعر الحميني لون أدبي وغنائي مميز في التراث اليمني، نشأ وتطور في بيئة ثقافية كانت تعرف الشعر الفصيح معرفة عميقة، لكنها لم تكن ترى في الفصحى وحدها الوعاء الضروري لكل تجربة شعرية. فكان الحميني محاولةً لتحرير القول الشعري من بعض القيود المعيارية، وإدخاله في لغة أقرب إلى الوجدان اليومي وإلى الأذن الشعبية. ولهذا ارتبط الحميني بالغناء ارتباطًا عضويًا؛ فالقصيدة الحمينية لا تُفهم تمامًا من خلال نصها المكتوب وحده، بل من خلال إيقاعها، ولحنها، وأدائها، ومقامها، وطريقة إنشادها. والفارق هنا ليس بين «فصحى جميلة» و«عامية بسيطة»، كما قد يوحي التصنيف السريع؛ فالحميني يمتلك نظامه الجمالي الخاص، وقد يستعمل ألفاظًا فصيحة إلى جانب ألفاظ يمنية محلية، ويستفيد من المجاز والتورية والتضمين والتكرار والإيقاع الداخلي. ومن أبرز الأسماء المرتبطة بتاريخ الشعر الحميني ابن فليتة، الذي يُعد من أعلام الشعر في العصر الرسولي، وقد نُسب إليه ديوان يضم الشعر الفصيح والحميني وألوانًا غنائية أخرى. ويكشف ذلك عن حقيقة مهمة: لم يكن الشاعر اليمني مضطرًا إلى الاختيار بين الفصحى والشعر الشعبي؛ فقد كان قادرًا على الإقامة في اللغتين معًا. ثم تطور هذا الفن في عصور لاحقة، وارتبط بأسماء كبيرة في الشعر والغناء اليمني، ومنهم أبو بكر العيدروس، الذي نظم في الفصيح والحميني، ثم جاء شعراء مثل عبد الرحمن الآنسي وأحمد فضل القمندان وغيرهما، فأسهموا في ترسيخ تقاليد الشعر الغنائي اليمني. والحميني، بهذا المعنى، ليس مجرد «شعر باللهجة»، بل هو تحول في وظيفة اللغة الشعرية: من القصيدة التي تُقرأ إلى القصيدة التي تُغنّى، ومن النص الذي يعتمد على الوزن والقافية وحدهما إلى نص تشترك في بنائه الكلمة واللحن والصوت والجسد والذاكرة الجماعية. ولعل أجمل ما في التجربة الحمينية أنها أثبتت أن العربية لا تعيش في المعجم والنحو وحدهما، وإنما تعيش أيضًا في أصوات الناس وأغانيهم وأفراحهم وأحزانهم وطقوسهم اليومية. ومن هنا يمكن إعادة صياغة عبارتك بصورة أكثر دقة وأدبية:«الشعر الحميني هو اللحظة التي لم تتمرد فيها القصيدة اليمنية على الفصحى، بقدر ما فتحت نوافذها على اللغة الحية، فخرجت من صرامة المعيار إلى رحابة الغناء، ومن سلطة النص المكتوب إلى ذاكرة الصوت، ومن القصيدة بوصفها بناءً لغويًا إلى القصيدة بوصفها حياةً تُنشد وتُسمع وتُورث.» وهذه النقطة بالذات مهمة جدًا عند الحديث عن مخلاف الشِّعِر؛ لأن البحث في أدبه لا ينبغي أن يقتصر على الدواوين الفصيحة، بل ينبغي أن يشمل الشعر الحميني، والزامل، والمهاجل، والأغنية الشعبية، والموروث الشفهي؛ إذ قد تكون الذاكرة الشفوية قد حفظت من أدب المخلاف ما لم تحفظه الكتب. عماد خالد رحمةكاتب وباحث ومحاضر – فلسطين