الأربعاء, يونيو 3, 2026
الرئيسية » واقع التعليق الرياضي في تونس: بين بريقٌ يضيء الملاعب العربية.. وأزمةٌ تخنق الملاعب المحلية

واقع التعليق الرياضي في تونس: بين بريقٌ يضيء الملاعب العربية.. وأزمةٌ تخنق الملاعب المحلية

350 زائر 5 دقائق اقرأ

لطالما ترنَّم الجمهور الرياضي التونسي برخامة أصوات معلقين تونسيين مثلوا نقطة فارقةً في المشهد الرياضي التونسي خلال كثير من المناسبات الرياضية، كما أَسَرت هذه الأصوات الشَّجية ملايين قلوب عشاق المستديرة، فالتعليق الرياضي في تونس رغم إرثه الغني منذ نشأته وبريقه الإقليمي المبهر، إلا أنه بقي يئن تحت وطأة أزمة هيكلية وقانونية وتكوينية صامتة، ممَّا يضع مستقبل هذه المدرسة العريقة أمام عديد التحديات حول إيجاد سبل للإنقاذ والتطوير.

تعاقبت أجيال عديدة في مجال التعليق الرياضي في تونس بُعيدَ الاستقلال، فكانت الإذاعة الوطنية أولى المحطات التأسيسية لهذا المجال نظراً لغياب التلفزيون وعدم تعميمه شعبياً آنذاك، فقد تمثلت البدايات مع الرعيل الأول عبر أصواتٍ مازلنا نألفُها إلى اليوم خاصة في فترة الستينات كالمعلق محمد بوغنيم وأحمد العموري، وقد تميز الأداء باللغة العربية الفصحى والوصف الصوتي الشامل نظراً لطبيعة التعليق الإذاعي، ومع تعميم التلفزة التونسية في فترة السبعينات والثمانينات شهد التعليق الرياضي تطوراً لافتاً، ليتماهى مع عصر الصورة والصوت فالانتقال من الإذاعي إلى التلفزي، أدَّى إلى تحديث تقنيات التعليق عبر إضفاء القراءة الفنية للمباريات والتركيز على التفاعل بدلَ الوصف الدقيق الإذاعي،   فبرزت أصوات رائعة  كصالح جدية والمرحوم نجيب الخطَّاب من خلال تغطيته المبهرة للمنتخب التونسي في ملحمة الأرجنتين في 1978، وقد شهدنا من خلال هذه المرحلة بداية تأسيس دعائم المدرسة التونسية للتعليق الرياضي.

شهدت فترة التسعينات الطفرةَ الفضائية العربية بنشأة قنوات تتخصص في المجال الرياضي وذلك بتأسيس شبكة “إيه آر تي سبورت” وتلتها من بعد باقة الجزيرة الرياضية، أما محلياً فتأسست قناة 21 إلى جانب القناة الوطنية، وقد عرفت مدرسة التعليق الرياضي التونسية من خلال هذه المرحلة تحولاً جذريا يتمثَّل في التحرر من التقنيات الكلاسيكية عن طريق التخلص من الرسمية الصارمة و مزج اللغة العربية الفصحى بالدارجة التونسية، وجعل المستمع التونسي قريبا من الحدث في كل مرةٍ على غرار مشاركات المنتخب الوطني في كؤوس العالم سنة 1998 و 2002 و الأجواء الحماسية التي اكتسبها التعليق في كأس إفريقيا 2004 بتونس أبرز دليل على ذلك فانتقل التعليق من نقل الحدث الرياضي إلى تثقيف الجمهور كروياً، كما سطع نجم مدرسة التعليق التونسية ببروز معلقين بارعين انطلقوا من المحطات الاذاعية و التلفزة التونسية وصولا إلى أعتى القنوات العربية والعالمية مثل عصام الشوّالي و رؤوف خليف و حسني الزغدُودِي.

تميزت مدرسة التعليق التونسية طيلة عقود بعطاءٍ منقطع النظير بمواكبتها الجيِّدة لأهم الأحداث الرياضية الوطنية والعالمية، وكذلك بتكوينها لعديد المعلقين المحترفين الذين لمع بريقهم في عديد المحطات العربية، وقد شهد هذا المجال ثورة خطابية وتقنية واسعة على الصعيد العالمي والإقليمي وذلك لما فرضته الطفرة المعلوماتية مطلع الألفية الأولى وكذلك تطور الثقافة الرياضية للشعوب العربية رغم كل هذا فإن المدرسة التونسية بقيت محافظة على خصالها وتقنياتها المعهودة في التعليق، المتمثلة في استخدام لغة عربية بيضاء تمزج بين العربية الفصحى المبسطة ومصطلحات من مدرجات الملاعب التونسية، كما أنها تقوم على الرصانة والحياد والالتزام بالبروتوكولات الإعلامية خاصة في المرفق العمومي، و الموسوعية الإحصائية من خلال التشبث بكواليس الملاعب واعتبار الخصوصية السوسيولوجية لكل جهة.

تعتبر أزمة التكوين في التعليق الرياضي من أبرز التحديات التي يواجهُهَا المشهد الرياضي في تونس، فمن ناحية أنجبت المدرسة التونسية قامات عريقة تصدرت المشهد الرياضي إقليمياً، إلاَّ أنَّ المشهد المحلي يعاني من تراجع واضح في جودة التعليق، كما أن هذه الأزمة كانت نتاجاً لبنية تكوينية مختلَّة، إذ أنَّ التكوين بقي مقتصراً على معهد الصحافة وعلوم الإخبار التابع لجامعة منوبة، وهو مؤسسة حكومية يدرس فيها التعليق الرياضي كمادة من بين المواد المتبعة في البرنامج التعليمي ضمن تخصص الصحافة الرياضية والسمعي البصري، و تقتصر بقية الجامعات على غرار معهد تونس للإعلام والاتصال والمدرسة العليا للصحافة وتكنولوجيا الاتصال على ورشات تطبيقية محدودة، ورغم أن بعض المدارس الخاصة مثل ميديا ترانينق و أكاديمية بلافيلد للإعلام والتدريب تكوٍّنُ سنوياً عديد المعلقين الشبان إلا أن مستوى التكوين العام  بقي دون المطلوب، وهذا ما انعكس على  جودة التعليق من خلال الهفوات الفادحة لبعض المعلقين إما تلفزياً أو حتى إذاعياً وكذلك سقوط البعض منهم في الوصف الرتيب البارد أثناء التعليق على المباريات و الصراخ المبالغ فيه أحيانا، والذي يغيب عنه غالبا الثقافة التكتيكية والاكتفاء بالسرد المتواصل وذكر أسماء اللاعبين، وهو ما يجعلنا متأخرين عن عديد مدارس التعليق الحديثة، إذ يقول الصحفي الرياضي والأكاديمي البريطاني روب ستين في كتابه الصحافة الرياضية “أن التعليق الرياضي الحديث تجاوز الوظيفة الوصفية التقليدية ليصبح جزءًا من صناعة الفرجة الرياضية وتحليل الحدث الكروي ثقافيًا وتكتيكيًا”. فمثلا شبكة قنوات “بي إن سبورتس” يخضع منتدبيها الجدد من المعلقين الرياضيين لدورات تدريبية تكتيكيةٍ وفنيةٍ في كرة القدم بالمقر الرئيسي للشبكة وتحديداً في الأستوديوهات ومباني المجموعة الإعلامية الحديثة، كما يتلقون برامج تأهيلية في قوانين التحكيم وتقنية الفيديو.

يواجه المعلقون في الملاعب الرياضية واقعا بنيوياً ولوجستياً صعباً نظرا لضعف البنية التحتية للملاعب التونسية، حيث تفتقر معظم الملاعب إلى مقصورات تعليق معزولة صوتياً وأمنياً مما يضطرهم للعمل وسط الجماهير وتحت الضغط ويبقون عرضة للهرسلة والعنف أحياناً، إضافة إلى غياب شبه تام للبنية التحتية الرقمية المتمثلة في خدمة الأنترنت والشَّاشَات الكبيرة لمتابعة الإعَادات وبحسب النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين فإنَّ %80 من الملاعب التونسية لا تحتوي على مقصورات مجهزة للتعليق وعازلة للصوت

كما أنَّ أجور المعلقين الرياضيين المتدنية زادت من معاناة القطاع محلياً إذ أن قرابة 70% من قامات التعليق عربياً هم خرجي المدرسة التونسية على غرار الشوالي والزغدودي ورؤوف خليف ونوفل الباشي.. وهو ما يعمق مسألة المفارقة الراديكالية للتعليق، الذي يعتبر جوهريا في رياضة مثل كرة القدم خاصة في بلدان مثل دول الخليج العربي التي تضخ آلاف الدولارات لتطوير هذا المجال، كما أنَّ نقص القنوات الرياضية والإذاعات التي تستوعب المعلقين هو أكبر عائق أمام بروز عديد المواهب الصاعدة التي يقتصر ظهورها إلا على مواقع التواصل الاجتماعي. حيث تمتلك تونس قناتين رياضيتين تلفزيونيتين أساسيتين مقارنة ببعض الدول العربية التي تمتلك شبكات تضم بين 5 و10 قنوات رياضية متخصصة

يمثل غياب قانون أساسي وإطار تشريعي خاص ينظم المهنة أبرز العوامل التي عمَّقت الأزمة الهيكلية والمهنية للتعليق الرياضي في تونس، فخلاقا لعديد المهن الإعلامية لا يتمتع المعلق الرياضي بوضع قانوني يحدد صفته مما يضعه أمام ترتيبات إدارية عامة وعقود عمل هشة لا تتناسب مع الجهد الذي يبذله، ومع ذلك فباستثناء بعض القنوات والإذاعات فإن أغلبية المعلقين يباشرون مهاهم من دون عقود تضمن حقوقهم، خاصة مع غياب قانون خاص يحميهم يفتح كل هذا الباب أمام الدخلاء والمهتمين بالتعليق من خارج المتكونين وهذا ما أدَّى إلى تراجع كبير في مستوى الأداء لعديد المعلقين.

ولئن كان ولا يزال التعليق الرياضي نقطةٌ مضيئةً لتونس في المشهد الرياضي الإقليمي إلا أنه يعيش منذ سنوات على وقع مفارقات كبيرة وتناقضات راديكالية. فالمدرسة الكلاسيكية للتعليق ما زالت صارمة ولا تتصف بالمرونة خاصة مع تغير أساليب وتقنيات التعليق من جيل إلى آخر. أمَّا رواد المدرسة الحديثة والتي تتمثل في معلقين شبان يتميزون بحرفية وجودة تعليق عالية وطرح جديد وأساليب مستحدثةً تتلاءم مع الثقافة الكروية للشعب والتطورات الرقمية، حيث يعتبر روب ستين أن تطور التكنولوجيا الرياضية الحديثة تفرض على المعلق الرياضي امتلاك أدوات تحليلية ومعرفية تتجاوز مجرد الأداء الصوتي والانفعال اللحظي. وأدَّى هذا التباين إلى صراع خفي ليس حول نبرة الصوت وجماليته بل هو عبارة عن تصادم بين جيلين يحمل كل واحد منهم فلسفة في فهم دور المعلق وكيفية قراءته للمباراة وتفكيك تفاصيلها، فولد كل هذا فجوةٌ كبيرةً نتيجة بنية تكوينية مختلةٍ.

لإنقاذ إرث مدرسة التعليق التونسية وتطوير مشهدها المحلي، يتطلب الأمر رؤية إصلاحية شاملةً وتضافر الجهود بين سلطة الإشراف والمؤسسات الإعلامية والهياكل الأكاديمية. فلمواجهة اختلال البنية التكوينية يجب تطوير الاختصاص الأكاديمي، وذلك بإعادة هيكلة مادة الصحافة الرياضية والسمعي البصري بمعهد الصحافة وعلوم الاخبار إلى تخصص كامل صلبها يتضمن دورات نظرية وأخرى تطبيقية عن طريق محاكات داخل غرف تعليق متطورة. كما ينبغي إحداث إدارة وطنية للتعليق الرياضي صلب الجامعة التونسية لكرة القدم وهو هيكل فني يعنى بإخضاع المعلقين لدورات تدريبية دورية تعتمد على نظام إسناد درجات ورخص احترافية تماماً كمنظومة المدربين والحكام وهو ما سيمكن من صياغة معايير صارمة للمتابعة والتقييم المستمر للأداء الصوتي، والحد من الهفوات الفادحة عبر إلزامية التكوين في مجالات التحكيم والخطط التكتيكية الحديثة في كرة القدم وتقنية الفيديو، كما سيمثل هذا الهيكل صمَّام أمان تشريعي يضمن حماية المعلق ضد الضغوط الخارجية للأندية، ويؤسس لجيل جديد يجمع بين رصانة المدرسة الكلاسيكية ومقومات العصر الرقمي الحديث. أمَّا على الصعيد اللوجستي فيجب على المصالح المعنية إجراء إصلاحات هيكلية شاملة في معظم الملاعب غير مؤهلة بإحداث غرف تعليق زجاجية معزولة صوتياً وأمنياً، وتجهيزها بشبكات أنترنيت عالية التدفق وتوفير نقاط الطاقة والربط التقني المتواصل داخل مقصورات المعلقين.  

تتجاوز معضلة التعليق الرياضي في تونس مجرد تراجع في الأداء الصوتي، لتكشف عن فجوة عميقة بين جيلين يحمل كل منهما هوية مختلفة في قراءة المباريات. ولعل الحل الحقيقي لإنقاذ هذا القطاع يكمن في إحداث ثورة في الوعي الأكاديمي والمهني، ينقل المعلق من دور الواصف التقليدي إلى المحلل والمثقف الكروي، وذلك من خلال الاستثمار في الكفاءات الشابة وتأطيرها علمياً وتكتيكياً، حتى يتسنى للمشهد المحلي أن يسترد ريادته المفقودة ويواكب المتغيرات الرياضية إقليمياً وعالمياً.

الكاتب محمد بن كريّم

  • مدون تونسي
    مدون كتب مجموعة من المقالات والنصوص الأدبية، ويهتم بالتاريخ والنقد المسرحي، كما أنه عضو في نادي مسار للرواية.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.