الأربعاء, يونيو 3, 2026
الرئيسية » هدى حجاجي أحمد / مصر: قصة بعنوان « ظل امرأة في باريس »

هدى حجاجي أحمد / مصر: قصة بعنوان “ظل امرأة في باريس”

الجزء السادس

68 زائر 2 دقائق اقرأ

كانت باريس في تلك الليلة تبدو كأنها تبكي بصمت.

المطر الخفيف يهبط على الأرصفة القديمة، والأضواء المرتجفة فوق نهر السين تشبه ذكرياتٍ تحاول النجاة من الغرق.

أما أنا، فكنت أمشي وحيدة، أجرّ خلفي عمرًا من الحنين، وأحمل في صدري قلبًا أتعبه الانتظار حتى صار يشبه نافذةً مهجورة لا يطرقها أحد.

كنت أفكر فيك.

ليس كمن يتذكر حبيبًا غاب، بل كمن يتفقد جرحًا قديمًا كل ليلة ليتأكد أنه ما زال يؤلمه.

كنت حاضرًا بطريقة موجعة.

كأنك تقيم في المسافة بين نبضتين، أو في تلك الزاوية المعتمة من الروح التي لا يصل إليها أحد.

كم مرة حاولت أن أضعك في الماضي، فتسللت إلى الحاضر؟

وكم مرة أقنعت نفسي أنني تجاوزتك، ثم خانتني أغنية، أو رائحة عابرة، أو مساء طويل يشبه المساءات التي كنت تسكنها؟

كان الحب معك يشبه الوقوف أمام بابٍ مفتوح على الاحتمالات كلها، ومغلق على اليقين.

أحببتك كما تحب الأرواح المتعبة ملاذها الأخير.

وكما يتعلق الغريق بآخر خيط من الضوء قبل أن تبتلعه العتمة.

لكن الحياة لم تكن كريمة بما يكفي.

تركتنا واقفين على طرفي الحلم، وكل واحد منا يحمل نصف الحكاية ونصف الخيبة.

جلست في مقهى صغير يطل على النهر.

كانت الطاولات مزدحمة بالضحكات، والوجوه المضيئة، والأيدي المتشابكة.

أما أنا، فكنت أجلس قبالة كرسي فارغ.

كرسي لم يجلس عليه أحد يومًا، ومع ذلك ظل يحمل ملامحك.

تأملت الفراغ طويلًا.

واكتشفت أن أكثر ما يؤلم

ليس فقدان الأشخاص، بل اعتياده الحديث إليهم في غيابهم.

أن يظل يحتفظ بجملة كان يريد قولها.

وبرسالة لم يرسلها.

وبعناقٍ تأخر حتى أصبح مستحيلًا.

أطلقت تنهيدة طويلة.

كانت أثقل من قلبي نفسه.

شعرت لحظتها أن الحزن ليس دمعة تسقط من العين، بل عمر كامل يبقى عالقًا خلفها.

الحزن الحقيقي هو أن تستمر الحياة في الخارج بشكل طبيعي، بينما يتوقف شيء ما في داخلك إلى الأبد.

أن تضحك أحيانًا، وتتكلم، وتمارس تفاصيل يومك، لكنك تعرف في أعماقك أن جزءًا منك ما زال جالسًا عند محطة قديمة ينتظر قطارًا لن يعود.

كم هو مؤلم أن يبقى الإنسان وفيًا لذكرى لم تعد تعرف اسمه.

وأن يحرس أبواب القلب لشخص لم يعد يطرقها.

رفعت عيني نحو السماء.

كان القمر شاحبًا، كأنه هو الآخر يحمل حزنًا لا يستطيع البوح به.

وفي تلك اللحظة شعرت أنني أشبهه كثيرًا.

مضيئة من بعيد…

ومنطفئة من الداخل.

تذكرت كل الأشياء التي لم تحدث.

كل الرسائل التي لم تُكتب.

كل اللقاءات التي أفسدتها الظروف.

كل الكلمات التي ماتت على أطراف الشفاه خوفًا، أو ترددًا، أو تأخرًا.

وأدركت فجأة أن الإنسان لا يبكي فقط ما فقده…

بل يبكي أيضًا ما كان يمكن أن يكون.

ما كان يمكن أن نعيشه لو كانت الحياة أقل قسوة.

وأقل استعجالًا.

وأكثر رحمة بالقلوب.

نهضت أخيرًا وغادرت المقهى.

كانت باريس تلمع تحت المطر، بينما كنت أشعر أن شتاءً كاملًا يسكن داخلي.

سرت ببطء، أراقب ظلي الممتد على الرصيف.

بدا لي كأنه امرأة أخرى تسير معي.

امرأة أنهكها الشوق.

وأتعبتها الأسئلة.

وخسرت أشياء كثيرة وهي تحاول أن تحافظ على قلبها حيًا.

وعندما وصلت إلى باب شقتي، التفتُّ إلى الخلف للمرة الأخيرة.

لم يكن هناك أحد.

فقط شارع طويل…

ومطر خفيف…

وحزن قديم يمشي إلى جواري منذ سنوات دون أن يتعب.

حينها ابتسمت.

تلك الابتسامة التي تشبه الدموع حين تتعلم الوقوف على قدميها.

ودخلت.

بينما بقيت باريس في الخارج…

وبقيت أنت في الداخل.

كوجعٍ جميل…

لا يبرأ.

بقلم / الكاتبة هدى حجاجي أحمد

  • كاتبة وروائية مصرية
    هويدا حجاجي أحمد كاتبة وروائية مصرية كاتبة وروائية مصرية تُعنى بالأدب الوجداني والدراما الواقعية، وتتميّز أعمالها بعمق إنساني ولغة شاعرية تمزج بين الرمز والعاطفة. قدّمت مجموعة من الأعمال القصصية من بينها «سيدة الياسمين» ضمن مجموعتها الكاملة، إضافة إلى نصوص رمزية وتأملية مثل «وجه لا يُرى إلا في الهدوء» و«حين تهدأ الفكرة». تلامس كتاباتها قضايا الإنسان والذاكرة والحب والصمت، وتقدّم رؤى سردية تنبض بالحسّ الأنثوي والنَفَس الفلسفي. ظهرت نصوصها في منصّات أدبية متعددة، وتواصل بناء مشروعها السردي بخطى ثابتة، طامحة إلى ترك بصمتها المميّزة في المشهد الأدبي المعاصر.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.