90 “خلف هذه القضبان، يكتسبُ الوقتُ طعمًا معدنيًا مرًّا. هنا، في زنزانةٍ لا تتسعُ إلا للندم، أجلسُ على حافةِ برشي البارد، أتحسسُ جدرانًا تآكلتْ من الرطوبة، تمامًا كما تآكلتْ أحلامي قبل أن تولد. يقولون إنَّ السجنَ هو سلبُ الحرية، ولا يعلمون أنني قضيتُ ثلاثةً وعشرين عامًا في ‘سجونٍ’ لم تكن لها قضبانٌ مرئية، سجونٌ بُنيتْ من عوزٍ، وقسوةِ أبٍ، ودموعِ أمٍّ لم تجفَّ يومًا. كنتُ في الثالثةِ والعشرين، في عُمرٍ يُفترضُ فيه أنَّ الأحلامَ ترسمُ ملامحَ الوجه، لكنَّ ملامحي كانت مرسومةً بالتعب. لم تكن بشرتي نضرة، بل كانت باهتةً كجدرانِ بيتنا المملحة؛ بيتٌ يفوحُ منه عبقُ ‘الخمرِ’ الرخيص الذي كان والدي يتجرعهُ ليحرقَ ما تبقى من إنسانيتنا. كان يدخلُ علينا كلَّ مساءٍ يترنحُ، يحملُ معهُ عطرًا مقززًا من الثمالةِ والتبغ، ويحولُ هدوءَنا الهشَّ إلى ساحةِ حرب. أتذكرُ يديَّ الصغيرتين اللتين خشُنتا من كثرةِ العمل. كنتُ أخرجُ في الصباحِ الباكر، أواجهُ وجوهَ الناسِ الكالحة، وأتحملُ مشقةَ وظيفةٍ تنهبُ كرامتي قبل جهدي، فقط لأعودَ ببعضِ المال. لم يكن ذلك المالُ لي؛ لم أعرف يومًا لذةَ شراءِ ثوبٍ جديد أو أحمرِ شفاهٍ يزينُ شحوبي. كان المالُ يذهبُ لثقوبٍ لا تمتلئ؛ لديونِ والدي في الحانات، ولإسكاتِ أمعاءِ أختي الجائعة، ولتوفيرِ ثمنِ دواءِ أمي التي كانت تذبلُ أمام عينيَّ كوردةٍ سُقيت بماءٍ مالح. أصعبُ تلك اللحظات كانت ‘المواجهة’. حين أعودُ منهكة، وأجدُ والدي قد نبشَ في حقيبتي، وسرقَ ما ادخرتهُ لمصاريفِ البيتِ ليصرفهُ في ليلةِ مجونٍ عابرة. حين كنتُ أصرخُ في وجهه، لم يكن يراني ابنةً تُفني شبابها لأجله، كان يراني ‘صرافًا آليًا’ أو عدوًّا يحاولُ حرمانهُ من لذتهِ الوحيدة. كان يضربني بكلماتٍ أقسى من السياط، يتهمني بالتقصير، ويذكرني بأنني ‘لا شيء’ بدونه.. وفي كلِّ مرةٍ كانت أمي تكتفي بالصمت، تلملمُ بقايا الأواني المحطمة، وتغرسُ رأسها في شالها القديم، تاركةً إيايَ وحيدةً في ساحةِ المعركة. في تلك الليالي الباردة، كنتُ أنظرُ إلى السماءِ من خلفِ نافذةِ غرفتي المكسورة، وأحلمُ بـ’المُنقذ’. كنتُ طفلةً تبحثُ عن أبٍ في صورةِ رجل، عن حضنٍ دافئ يحميني من قرصةِ الجوعِ وبرودةِ نظراتِ والدي. كنتُ أريدُ أن أتوقفَ عن كوني ‘الرجلَ’ في البيت، أردتُ أن أكونَ امرأةً، أن يدللني أحدٌ ما، أن يقولَ لي: ‘ارتاحي، سأتولى أنا كلَّ شيء’. لذا، حين دخلَ ‘هو’ حياتي، لم أكن أرى فرقَ السنواتِ الاثنتينِ والعشرين بيننا. كان في الخامسةِ والأربعين، أنيقًا، ميسورًا، تنبعثُ منه رائحةُ الرفاهيةِ والاستقرار. كان يبدو لي كالجبلِ الذي سيحميني من العاصفة. لم يستهوني مالهُ بقدرِ ما استهوتني ‘الطيبةُ’ التي تظاهرَ بها، والصفاءُ الذي كان يغلفُ كلامه. كان يمسكُ يدي الخشنةَ ويقبلها وكأنها يدُ أميرة، واعدًا إيايَ بأنَّ أيامَ الشقاءِ قد ولت. كم كنتُ ساذجة! لم أكن أعلمُ أنني كنتُ أهربُ من وحشٍ جائعٍ إلى نمرٍ نرجسي يتربصُ بفرائسه. لم أكن أعلمُ أنَّ كلَّ ذلك الدلال، وتلك الهدايا، وذلك الاهتمام المبالغ فيه، لم تكن سوى ‘طُعمٍ’ ليجعلني عبدةً في قصرهِ العاجي، قبل أن يكشفَ عن وجههِ الحقيقي؛ وجهُ الخيانةِ والبطشِ الذي قادني في النهايةِ إلى هنا.. إلى هذه الزنزانة.” الكاتبة سرور بالطّيب