الصفحة الرئيسية قصيدة النثر زاهر الأسعد / فلسطين: نصّ بعنوان “مآتمُ الضوءِ”

زاهر الأسعد / فلسطين: نصّ بعنوان “مآتمُ الضوءِ”

667 زائر 1 دقائق اقرأ

في محرابِ الصمتِ
تنفضُ الأبجديةُ أقنعتَها

ما بالُ حطابي الخواءِ
يطحنونَ الريحَ
ويظنونَ غبارَها قوتًا يشبعُ العابرينَ

أشباهٌ يعبرونني
أطفأوا مواقدَهم لبردِ المديحِ
يقتحمونَ الزيفَ بأقدامِ قشٍّ
ويستجدونَ ملحَ الأرضِ
لعقمِ خيالِهم

فالشعرُ ناموسٌ يتمنّعُ
لا ينحني
لمن رهنوا الوحيَ
في حاناتِ التكرّسِ الرخيصِ
أو قايضوا الأنينَ بمجدِ المرايا

نصبوا فخاخَهم
في ممراتِ الضوءِ

ظنّوا المعنى صيدًا
ينالُ بالصخبِ
وما علموا
أن القصيدةَ شهقةُ النارِ

من لمسَ نصلَها بالزورِ
نفتهُ إلى تيهِ النسيانِ

جثةٌ

بلا

أثرٍ

يا لغربةِ الجوهرِ

حين يتبخترُ الهامشُ
ليستطيلَ متنًا
ويتقمّصَ السرابَ
هيبةَ الطوفانِ

بينما القاعُ يعجُّ برميمِ كلماتٍ
لم تُعمدْ بنارٍ
أو عرقٍ
أو دمعٍ

الحقيقةُ نهرٌ
لا يردُّهُ
إلا الرعاةُ الحفاةُ

أولئك الذين
غرسوا نخاعَهم في محابرِ العزلةِ
وصهروا ملامحَهم في فرنِ النورِ

حتى ذابَ الأنا
وتجلّى الروحُ

فصاروا هم النصَّ
وقيامتُهم المؤجلةُ

يقرعونَ طبولَ المعدنِ

يهرولونَ خلفَ نعشِ المعنى
وهم القتلةُ
والناعونَ
والوارثونَ

أما أنتَ
أيها المتجذّرُ في صمتِك المرِّ
لا تذرْ ضياءَك في هباءِ الرمادِ

فصواعُ الروحِ لا يحلُّ
إلا في رحلِ الصادقينَ
وعصارةُ الرؤيا
مآبٌ لا ينالُ

انظرْ
كيف تنزفُ الحروفُ
حين تُساقُ كالأرقاءِ
لخدمةِ الأوثانِ

دعِ الضجيجَ يمضي كزبدٍ
واتركْ لهم
أصنامَ اللغةِ

وابقَ أنتَ

نقطةً سوداءَ
في بؤبؤِ العدمِ

تنبثقُ منها مجراتٌ
لا تشيخُ

الشاعر زاهر الأسعد

  • شاعر وكاتب فلسطيني
    وُلد في درعا عام 1983، لاجئٌ فلسطيني يقيم في سوريا، ويحمل في قلبه وطنًا غائبًا لا يفارقه، تمامًا كما لا يفارق الماء سيرة النهر. يعيش في المزيريب حيث تتداخل الذاكرة مع تفاصيل الحياة اليومية، فيكبر الحنين معه، ويكبر المعنى. يعمل في الشركة السورية للاتصالات، يمدّ الخيوط بين الناس، لكنه يجد اتصاله الأعمق في الشعر؛ فهناك يتنفس، وهناك يبحث عن المعنى الذي لا تمنحه الخرائط ولا تمنحه المهن. في الكتابة يفتح أبوابًا للضوء، ويصنع مسارًا خاصًا بين الصرامة العملية وحرية القصيدة. هاوٍ للشعر، محب للنصوص الوجدانية والفلسفية، يقلب الكلمات كما لو كانت أطيافًا تتشكل بين يديه، ويجعل من يومه طقسًا روحيًا يوازن فيه بين واقعٍ يفرض قوانينه، وخيالٍ يشرّع نوافذه بلا حدود. يحمل شغفًا لا ينطفئ، ويكتب ليظل حاضرًا في وجه الغياب، وليبقى الضوءُ ممكنًا مهما طال الليل.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.