الصفحة الرئيسية قصيدة النثر زاهر الأسعد / فلسطين: نصّ بعنوان “الغياب لا يصلح للعزلة”

زاهر الأسعد / فلسطين: نصّ بعنوان “الغياب لا يصلح للعزلة”

348 زائر 1 دقائق اقرأ

كمصباح شارع يضيء ظهراً
هكذا أبدأ نهاري
أمشي على خيطٍ مشدود
بين جهتين لا أعرف اسميهما
وفي يدي حقيبة من أسئلة
لا أعرف كيف أسألها
أحياناً
تجمع امرأة فتات الخبز عن طاولة
فأنسى اسمي حتى المساء

في صدري شيء يتنفس
لا أعرف ما هو
يسعل حين تمر جنازة في الشارع
أقول له: هذه الحياة
فيقول لي:
بل هذه فقط أصوات عابرة
ونضحك معاً
كمن خاف أن يبكي
فاختبأ في الضحك

أهندم وحدتي
كما تهندم الأرامل ثياب الحداد
ثم أبتاع خبزاً
وأراقب الحقيقة تتنكر في هيئة الاحتمال
أخيط لها ثوباً من التأويل
كي لا تكشفني
فتكشفني
كلما ألقيت التحية على ظلي في الظهيرة
أنظر خلفي
لا أحد

أبني من حيرتي سلماً
لا أعرف إلى أين يؤدي
ومن حولي رجال يبنون سلالمهم
ولا نحيي بعضنا
نخجل
نخجل أن نعترف
أننا جميعاً بلا طوابق

أمارس الحياة كرقصة على حافة متآكلة
وأصنع أملاً من رماد
كنت أظن هذا كله كلاماً
حتى احترق الرغيف في يدي
فبكيت

يا رب
إن كان هذا هو النشيد
فلماذا يزدحم
ولماذا يوقظني الصدى كل ليلة
يا رب
إن كان صمتاً
فلماذا يصدح في رأسي
كألف بائع سمك

أنا الذي أحمي قلبي من الحقيقة
أنا الذي أضحك بذكاء
أنا الذي أعض يدي
كي لا أقول ما أشعر به
لكنني الليلة
تعبان
وهذا كل ما في الأمر

كنت وحيداً
فاخترعت لكم هذا النشيد
فهل من أحد يصدقني
كي أرجع إنساناً

الشاعر زاهر الأسعد

  • شاعر وكاتب فلسطيني
    وُلد في درعا عام 1983، لاجئٌ فلسطيني يقيم في سوريا، ويحمل في قلبه وطنًا غائبًا لا يفارقه، تمامًا كما لا يفارق الماء سيرة النهر. يعيش في المزيريب حيث تتداخل الذاكرة مع تفاصيل الحياة اليومية، فيكبر الحنين معه، ويكبر المعنى. يعمل في الشركة السورية للاتصالات، يمدّ الخيوط بين الناس، لكنه يجد اتصاله الأعمق في الشعر؛ فهناك يتنفس، وهناك يبحث عن المعنى الذي لا تمنحه الخرائط ولا تمنحه المهن. في الكتابة يفتح أبوابًا للضوء، ويصنع مسارًا خاصًا بين الصرامة العملية وحرية القصيدة. هاوٍ للشعر، محب للنصوص الوجدانية والفلسفية، يقلب الكلمات كما لو كانت أطيافًا تتشكل بين يديه، ويجعل من يومه طقسًا روحيًا يوازن فيه بين واقعٍ يفرض قوانينه، وخيالٍ يشرّع نوافذه بلا حدود. يحمل شغفًا لا ينطفئ، ويكتب ليظل حاضرًا في وجه الغياب، وليبقى الضوءُ ممكنًا مهما طال الليل.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.