48 ما كلُّ هدوءٍ سلام… فبعضُ السُّكونْ يُخفي بخاصرةِ الضَّوْءِ عويلَ المجازرِ.. مُؤجَّلةً في الرَّمادْ. هو هادئٌ كالمياهِ القصيَّةْ، ولكنَّ هذا الهدوءْ… بلاغتُهُ الأخيرةْ، لوجعٍ عتيقْ تَعِبَ الصُّراخُ بهِ.. فاستكانْ. ورأيتُ هذا السكونَ يمشي على قدمينْ، ويختارُ من بينِ كلِّ الوجوهْ ملامحَكِ… وأنتِ كنبضِ المياهْ، على صفحةِ الانكسارْ، يمرُّ بكِ العابرونَ ولا يسمعونَ سوى همسِكِ، وفي العمقِ منكِ تتحطَّمُ جبالُ صمتٍ عنيدْ. تمشينَ بينَ الوجوهِ كأنَّكِ نجوتِ، ولا أحدٌ يستدلُّ على ذلك الركامِ الذي يتنفَّسُ تحتَ خطاكِ. تبتسمينَ…كأنَّ ابتسامةً واحدةً تكفي لإقناعِ هذا النهارْبأنَّكِ بخيرْ،وترتِّبينَ خصلاتِ شعركِ فوقَ فوضى الريحِ فيكِ.وتعبرُ الكلماتُ قربَ شفتيكِ،ثم تعودُ إلى عتمتِها،كأنَّ في الحلقِ باباً أضاعَ مفاتيحَهُ،وفيكِ كلامٌ كثيرٌ يشيخُ…دونَ أن يولدْ.وحدي أرى أنَّ هذا الهدوءَليسَ سوى بابٍ موصدْ،وأنَّ وراءَ ملامحِكِ بيتاً من الصمتِتنامُ النوافذُ فيهِ على خوفِها.لذلكَ…كلَّما مررتِ هادئةً أصغي إليكِ أكثرْ،فبعضُ الذينَ لا يصرخونَلو نطقَ الصمتُ فيهم لانكسرْ.وما كانَ فيكِ لم يبقَ فيكِ…تسرَّبَ نحوَ الأشياءِحتى غدتْ كلُّها تُجيدُ التظاهرَ بالعافيةْ.فما حولَنا يلتهبْ بلا دُخانْ،والجدرانُ واقفةٌ كأنْ لم يمرَّ بهاكلُّ هذا الخرابْ.ومرآةُ هذا الجدارْ ما تزالُ صقيلةْ،تردُّ الوجوهَ إليناكما لو أنَّها لم ترَ ما انكسرَ خلفَها.لكنَّ شرخاً خفيّاً يمشي وراءَ الزجاجْ،ويكبرُ في صمتِهِ كلَّما حاولَ الضوءُأن يبدوَ سليماً.حتى الرمادُ ليسَ خاتمةَ النارْ،فكم جمرةٍ أتقنتْ موتَها،وظلَّتْ هناكَ… تؤجِّلُ احتراقَها.تجلسُ قربَ المدفأةِ وتحسبُ أنَّ الشتاءَأخذَ النارَ منهُ ومضى،ولا تنتبهْ…تحتَ بياضِ الرمادْ جمرٌ نحيلٌيقتاتُ في صبرِهِ على خشبِ العمرْ.فلا تثقْبما هدأ الآنَ…وهذا المدى الشاسعُ ليسَ نجاةْ…فالطريقُ الذي يفتحُ صدرَهُ للخطى،قد يكونُ أضيقَ من آخرِ بابٍهربنا منهُ.وامشِ خفيفاً، ولا تمنحِ الرملَثقةَ العابرينْ،فتحتَ سكونِ الطريقِ فخاخٌ قديمةْتنامُ بعينٍ…وتُبقي الأخرى على خُطوتِكَ.نمشي…ونحسبُ أنَّ المسافةَ تُبعدُناعن خرابٍ مضى،ولا ننتبهُ أنَّ بعضَ الخرابِيسافرُ فينا.نحملُهُ خِفيةً من دربٍ إلى دربْ،حتى إذا بلغَ القلبُ آخرَ منفاهُ،اكتشفَ أنَّ الطريقَ كان يدورُ بهِحولَ جرحِهِ.فلا تسألِ الأفقَأين النجاةْ…فالنجاةُ التي لا تُبدِّلُ شيئاً في داخلِنا،ليست سوى منفىً أكثرَ اتساعاً.وحتى وجهُكَ لا تأمنْ إليهْ…فهذا السكونُ الطاعنُ في ملامحِكَليسَ سلاماً،ولكنَّهُ قناعٌ أجادَ نحتَهُ الخذلانْ.لبستَهُ طويلاً حتى نسيتَأين ينتهي القناعُوأين تبدأُ ملامحُكَ.تبتسمُ…لا لأنَّ في القلبِ متَّسعاً للفرحْ،بل كي تُبقي ما تركتْهُ اللياليخلفَ شفتيكَ.هناكَ…مقبرةٌ لا شواهدَ فيها،نامتْ بها أمنياتٌ كانتْ تُسمّيكَباسمِكَ الأولْ.وكم مرَّ يومٌ على وجهِكَدونَ أن يعرفَ أنَّ الذي يبتسمُ فيهِليسَ أنتْ.تؤدّي ملامحُكَ واجبَ الحياةْ،وتتركُ روحَكَ في الجهةِ الأخرىمن وجهِكَ،تجمعُ ما سقطَ منها بلا شهودْ.حتى غدوتَ بارعاً في النجاةِأمامَ الآخرينْ،وغريباً… حين تخلو إلى نفسِكَ.فأيُّ نجاةٍ هذهِإن كانَ وجهُكَ يعودُ كلَّ مساءٍولا تعودُ معهْ؟وأيُّ سكونٍ هذا إذا كانَ عليكَأن تُخفيَ موتاً كاملاًكي تبدوَ حيّاً؟والآنَ…وقد ضاقَ هذا السكوتُ بكلِّ الذي لم يُقَلْ،وضاقتْ بهِ اللغةُ حتى تشقَّقتِ الكلماتْ…أفتحُ بوَّابةَ الحبرِ لا كي أقولْ،ولكنْ لأمنحَ هذا العويلَفماً أخيراً.وما في الحروفِ قبورٌ تكفيلهذا الغيابْ.يخرجُ الصمتُ من بينِ أضلاعِهِ، عارياً…حاملاً كلَّ ما خبَّأتهُ السنينْ.يخرجُ دفعةَ ماءٍ أطالَ السدُّ حبسَها،حتى نسيَ الناسُ أنَّ وراءَ جدارِهِنهراً مكبَّلاً.ثمَّ ينكسرُ السدُّ…لا قطرةً تتبعُ أخرى،ولا وجعاً يتعثَّرُ في همسةٍ…بل دفعةً واحدةْ:كلُّ الذينَ سكتوا،كلُّ الذينَ ابتلعوا صرخاتِهم،كلُّ الذينَ ماتَ الكلامُ على شفاهِهم…ينهضونَ في الحبرِ.وهنا…لا يعودُ الصمتُ صمتاً، ولا الحبرُ حبراً،ولا القصيدةُ مكاناً آمناً للكلماتْ.إنَّهُ الطوفانْ…وما كانَ بالأمسِ سكوتاً يُوارى،صارَ اليومَ ماءً بلا ضفَّتينْ،يجرفُ أمامَهُ كلَّ هذا السكونْ.صمتٌ…فصمتٌ…فصمتْ…حتى تظنَّ أنَّ الخليقةَعادتْ إلى أوَّلِها.لكنَّهُ ليسَ بدءَ الخليقةْ…إنَّهُ صوتُ ارتطامِ القيامةِ بالأرضْ…بلا ضجيجْ.وأنتَ… أيُّها المنحني فوقَ هذهِ الكلماتْ،لا ترفعْ عينيكَ عنها سريعاً…فقد لا تكونُ تقرأُني الآنْ،قد تكونُ تقرأُ شيئاً منكَسقطَ بينَ السطورْ.ربَّما كانَ هذا هدوءَكَ أنتْ،وهذي الشقوقُ بقاياكَحينَ تعلَّمتَ أن تبدوَ سليماً.وربَّما مرَّ وجهُكَ في كلِّ ما قلتُ،ولم تنتبهْ…لأنَّ المرايا لا تُخبرُنا دائماًمَن الذي ينكسرْ.فلا تبحثْ عن نجاتِكَ خارجَ هذهِ الصفحةْ،ولا تسألِ الحبرَ عمَّن كنتُ أعني…فبعضُ النصوصِ لا تكتبُ أسماءَنا،لكنَّها تعرفُ موضعَ الجرحِ منّا.اقرأْ…لكنْ لا تطمئنْ.فآخرُ سطرٍ لم يُكتبْ بعدْ،وما تبقَّى من هذا السكونِليسَ كلاماً…إنَّهُ أنتْ.فلا تعتذرْ عن عظامِ الحروفْ،ولا تُعدْها إلى صمتِها الأوَّلْ.دعْها هنا…عاريةً من بلاغتِها.وما جئتُ لأكتبَ عن هذا السكونْ،ولا لأمنحَهُ اسماً جديداً…كنتُ فقط أزيحُ الرمادَعن شيءٍ صغيرْ ما زالَ تحتَهُيقاومْ.نبضٌ…لا يكادُ يُرى،لكنَّهُ كلَّما اقتربَ الموتُ منهُتذكَّرَ الحياةْ.لهذا نبشتُ كلَّ هذا السكوتْ،وفتحتُ للحبرِ جرحَهُ الأخيرْ…لا كي أُنقذَ ما ماتَ فينا،فبعضُ الذي ماتَلا يستعيدُ الطريقْ.فإنْ سمعتَ بعدَ آخرِ حرفٍشيئاً خافتاً يطرقُ فيكَ…لا تُسمِّهِ صمتاً.إنَّهُآخرُ نبضٍ نجا. إبراهيم علي الإدريسيشاعر وناقد – العراق