402 ليست القهوة في النص الذي يقدّم رواية «الرومي: نار العشق» مجرد مشروب يفتتح به القارئ صباحه أو يختتم به مساءه، وإنما تتحول إلى عتبة حسية تقود من الجسد إلى الروح، ومن المذاق إلى المعنى، ومن الرشفة إلى السفر. إنها استعارة للقراءة ذاتها؛ فالكتاب، مثل القهوة، لا يُقرأ بعينين فقط، وإنما يُحتسى بالروح. ومن هنا تبدو العبارة الافتتاحية أشبه بمفتاح تأويلي للرواية كلها: أن تدخل النص من الحواس، لكي تصل إلى أعماق الوجود. وهذا بالضبط هو المسار الذي تقترحه نهال تجدد في روايتها «الرومي: نار العشق»؛ فهي لا تتعامل مع جلال الدين الرومي وشمس التبريزي باعتبارهما شخصيتين تاريخيتين فحسب، بل تعيد تشكيلهما داخل فضاء روائي تتداخل فيه السيرة بالتخييل، والتاريخ بالأسطورة، والعشق بالجسد، والجسد بالروح، والغياب بالحضور. وقد صدرت الرواية بالعربية عن دار الجمل عام 2015 بترجمة خالد الجبيلي، وهي في أصلها عمل روائي يقوم على مزج السرد بالتاريخ والأقوال والأشعار، وقد أشارت قراءات صحفية للرواية إلى أن الكاتبة اشتغلت عليها سنوات، وأنها لا تقدمها بوصفها سيرة ذاتية خالصة ولا اختلاقاً تاريخياً محضاً، وإنما بوصفها تركيباً بين المادة التاريخية والتخييل السردي. أولاً: الرواية بوصفها إعادة خلق للميثولوجيا حين يدخل الرومي إلى الرواية الحديثة، فإنه لا يدخل إليها باعتباره شخصية من القرن الثالث عشر فقط، وإنما يدخل بوصفه أسطورة ثقافية وروحية قابلة لإعادة التأويل. وهنا تتجلى أهمية المنهج الميثولوجي؛ فالميثولوجيا في الرواية ليست استعادة لأسطورة جاهزة، وإنما إعادة إنتاج للمعنى الأسطوري داخل التجربة الإنسانية الحديثة. لقد أوضح نورثروب فراي أن الأدب يستعيد أنماطاً وصوراً وطقوساً ورموزاً تتجاوز العمل الفردي، وأن النقد الأسطوري يبحث في الطبقة العميقة التي تصل العمل الأدبي بالمخزون الرمزي الإنساني. وقد ارتبط مشروع فراي تحديداً بالكشف عن البنية الميثية الكامنة حتى في الأعمال التي تبدو واقعية أو تاريخية. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى شمس التبريزي في الرواية باعتباره archetype، أي نموذجاً أصلياً، لا بمعنى أنه نسخة جامدة من مفهوم يونغ، وإنما باعتباره صورة سردية متكررة للـ«آخر» الذي يأتي ليوقظ الذات من سباتها. فالرومي قبل شمس ليس هو الرومي بعد شمس. وهذه الجملة تختصر البنية العميقة للرواية. إن شمس لا يضيف إلى الرومي معرفة بقدر ما ينتزع منه الحجاب الذي كان يحول بينه وبين معرفة ذاته. إنه لا يمنحه النور، بل يجعله يرى النور الذي كان مختبئاً فيه. وهنا تتحول علاقة الرومي بشمس من علاقة شيخ بتلميذ، أو عالم بعالم، أو صديق بصديق، إلى رحلة عبور أنطولوجية من «الأنا» إلى «الآخر»، ومن «المعرفة» إلى «الحضور»، ومن «النص» إلى «الحياة». ثانياً: شمس التبريزي بوصفه «الآخر الموقظ» من أعمق البنى التي يمكن التقاطها في الرواية أن شمساً لا يعمل داخل النص باعتباره شخصية مكتفية بذاتها؛ بل بوصفه قوة تغيير. إنه «الآخر» الذي يدخل إلى بنية الذات لكي يعيد ترتيبها. وهذا يجعل العلاقة بين شمس والرومي أقرب إلى ما يمكن تسميته جدلية المرآة الروحية: يرى الرومي نفسه في شمس، ويرى شمس في الرومي إمكانية أخرى لذاته. ومن هنا فإن العشق لا يعود امتلاكاً للآخر، وإنما يصبح انكشافاً للذات. إن الرومي لا يعشق شمساً بوصفه شخصاً فقط، وإنما يعشق عبر شمس إمكانه الروحي الكامن. وهنا يمكن استدعاء تصور ميخائيل باختين للحوارية؛ فالذات لا تتشكل في عزلة مغلقة، وإنما تتكون عبر علاقتها بالآخر وصوت الآخر. وبذلك يصبح الحوار بين الرومي وشمس أكثر من حوار شخصيتين: إنه حوار بين مستويين من الوعي، بين المعرفة والتجربة، وبين العقل والقلب، وبين المؤسسة الروحية المغلقة والروح الباحثة عن حريتها. إن شمساً يدخل إلى الرواية حاملاً وظيفة سردية تتجاوز الكلام؛ فهو صوت مضاد، وصادم، ومزعزع للثبات. إنه صوت السؤال أمام يقين الإجابة. ثالثاً: «نار العشق» بين الإحراق والتطهير العنوان نفسه يحمل مفتاح الرواية. النار في المخيال الإنساني ليست رمزاً واحداً. إنها: • الموت والحياة.• الفناء والتطهير.• الهدم والخلق.• الألم والتحول. ولهذا فإن «نار العشق» ليست ناراً رومانسية بالمعنى التقليدي، بل نار ميثولوجية تطهّر الكائن من صورته القديمة. العاشق يدخل النار إنساناً، ويخرج منها معنى. وهذا يجعل العشق في الرواية فعلاً وجودياً. إنه ليس مجرد عاطفة بين شخصين، وإنما قوة تحويل تعيد صياغة الإنسان من الداخل. ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الرومي وشمس باعتبارها رحلة نار: يشتعل الرومي لكي يولد من جديد. فالاحتراق هنا ليس نهاية، وإنما ولادة ثانية. رابعاً: الجسد بوابة إلى الروح الرواية، بحسب مادتها التعريفية، لا تفصل تماماً بين العشق الجسدي والعشق الروحي، بل تجعل أحدهما ممراً إلى الآخر. وهذا الاختيار بالغ الأهمية؛ لأنه يمنع التجربة الصوفية من التحول إلى تجريد بارد. فالروح لا تعيش خارج الجسد. والإنسان لا يصل إلى المطلق إلا من خلال إنسانيته. وهنا تقترب الرواية من مفهوم التجربة الحسية بوصفها سلماً إلى الميتافيزيقا. فالجسد ليس خصماً للروح، بل هو اللغة الأولى التي تتعلم الروح من خلالها معنى الوجود. وهذا ما يجعل صورة القهوة في النص التقديمي ذات دلالة عميقة: الرشفة تبدأ في الفم، ثم تنتشر في الجسد، ثم تتحول إلى إحساس، ثم إلى ذاكرة، ثم إلى تأمل، ثم إلى كتابة. وكذلك العشق: يبدأ من اللقاء، ثم يسري في الوجدان، ثم يتحول إلى سؤال، ثم إلى معرفة. خامساً: المكان من الفضاء الواقعي إلى «المكان المقدس» في ضوء غاستون باشلار يمكن قراءة المكان الروائي باعتباره أكثر من جغرافيا. فالبيت، والغرفة، والطريق، والمدينة، والمكان الذي يجمع العاشقين، كلها يمكن أن تتحول إلى حيز للذاكرة والحميمية والبحث عن الذات. وباشلار يتيح لنا فهم المكان بوصفه حاضناً للذاكرة والخيال، لا مجرد إطار تقع فيه الأحداث. ومن هنا تصبح قونية في الرواية ليست مدينة تاريخية فحسب، وإنما مدينة روحية. إنها مكان يلتقي فيه: • التاريخ بالأسطورة.• المادي بالميتافيزيقي.• الإنسان بالمطلق. وكأن المدينة نفسها تصبح شخصية ثالثة في العلاقة بين الرومي وشمس. سادساً: الغياب بوصفه حضوراً مضاعفاً لا تكتمل أسطورة شمس بحضوره. بل ربما يكتمل معناها الحقيقي بغيابه. وهذه واحدة من المفارقات الكبرى في الرواية: عندما يغيب شمس، لا ينتهي أثره؛ بل يبدأ حضوره الحقيقي داخل الرومي. فالغياب يتحول إلى شكل أعلى من الحضور. وهنا تبرز البنية الصوفية للغياب: ما نبحث عنه خارجنا قد يتحول بعد الفقد إلى حقيقة تسكن أعماقنا. وهذا ما يفسر انتقال الرومي من حضور شمس الخارجي إلى حضور شمس الداخلي. إن شمساً يغيب جسداً لكي يصبح صوتاً. ويغيب شخصاً لكي يتحول إلى معنى. ويغيب عن المكان لكي يسكن اللغة. وهنا تصبح الكتابة نفسها محاولة لاستعادة الغائب. سابعاً: حسام الدين جلبي والراوي الوسيط من الناحية السردية، يكتسب اختيار حسام الدين جلبي وظيفة شديدة الأهمية؛ فالرواية لا تجعل الرومي يتحدث عن نفسه بصورة مباشرة، وإنما تمنح عملية التدوين إلى وسيط ارتبط بالرومي وشعره وفلسفته. وتشير المصادر المتاحة إلى أن الرواية مقسمة إلى ثلاثة كتب، يرويها حسام الدين، وتنتقل من علاقة الرومي بشمس إلى غياب شمس وظهور صلاح، ثم إلى علاقة الراوي بالرومي ودوره في تدوين فلسفته وأشعاره. وهذا الاختيار يفتح الباب أمام سؤال معرفي بالغ الأهمية: من يملك حق رواية الحقيقة؟ • هل الحقيقة ما عاشه الرومي؟• أم ما فهمه حسام؟• أم ما تخيله الكاتب؟• أم ما أعاد القارئ إنتاجه داخل وعيه؟ هنا تتحول الرواية من مجرد حكاية تاريخية إلى سؤال حول صناعة الحقيقة السردية. فالراوي لا ينقل الحقيقة فقط؛ بل يعيد تركيبها. وهذه إحدى أهم وظائف الرواية التاريخية الحديثة: ألا تكرر التاريخ، وإنما تسائل الطريقة التي نعرف بها التاريخ. ثامناً: من التاريخ إلى التخييل لا تسعى الرواية إلى تقديم وثيقة تاريخية بالمعنى الصارم، وإنما تستثمر التاريخ مادةً لتوليد سؤال إنساني معاصر. وهذا يضعها داخل منطقة شديدة الأهمية في الرواية الحديثة: المنطقة الفاصلة بين التاريخ والتخييل. فالرواية لا تقول لنا فقط: «هكذا حدث الأمر». بل تسأل: ماذا كان يمكن أن يعني ما حدث؟ وهنا تتحول الشخصية التاريخية إلى كائن روائي قابل لإعادة القراءة. وهذه العملية تجعل الرومي ملكاً للأدب بقدر ما هو ملك للتاريخ. تاسعاً: الزمن الدائري لا الزمن الخطي الزمن في الرواية الصوفية لا يتحرك دائماً إلى الأمام. إنه: • يعود.• يستعيد.• يتذكر.• يفقد.• ثم يعيد اكتشاف ما فقده. ولهذا يمكن قراءة الزمن في «نار العشق» بوصفه زمناً دائرياً، ينسج الحاضر بالماضي، ويجعل الماضي حاضراً في الوعي. وهنا تستفيد القراءة من تصورات جيرار جنيت حول الزمن السردي، ولا سيما العلاقة بين ترتيب الأحداث وزمن الحكاية وزمن الخطاب. فالسرد لا يقدم التجربة بالضرورة وفق ترتيبها التاريخي؛ بل وفق ما تقتضيه الذاكرة والتأويل. وهذا يجعل الذاكرة أداة هندسة روائية وليست مجرد استرجاع للماضي. عاشراً: الرومي بين الأسطورة والشخصية الروائية إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الروائي الذي يكتب عن شخصية عظيمة هو أن يجعل الشخصية أسيرة عظمتها التاريخية. لكن الرواية الناجحة تفعل العكس: تنزل الشخصية من برجها إلى إنسانيتها. وهنا تكمن قيمة إعادة تشكيل الرومي روائياً. الرومي في الرواية ليس فقط صاحب «المثنوي»، ولا العالم، ولا الصوفي؛ إنه الإنسان الذي يعرف: • الفقد.• الاضطراب.• الحيرة.• الغيرة.• الشوق.• الانكسار.• التحول. ومن خلال هذه الإنسانية يصبح قابلاً لأن يلتقي بالقارئ المعاصر. فالأسطورة لا تعيش لأنها بعيدة عن الإنسان، بل لأنها قادرة على إعادة إنتاج الإنسان في كل عصر. الحادي عشر: الرواية بوصفها «رحلة بحث عن الذات» إذا جمعنا الخيوط كلها، سنكتشف أن الرواية لا تحكي في جوهرها قصة الرومي وشمس. إنها تحكي قصة الإنسان الذي يبحث عن نفسه في الآخر. ولهذا يمكن تقسيم رحلتها الوجودية إلى ثلاث حركات: • اللقاء.• الاحتراق.• التحول. في اللقاء يكتشف الرومي الآخر. وفي الاحتراق يفقد صورته القديمة. وفي التحول يكتشف ذاته الجديدة. وهذا البناء يجعل الرواية قريبة من النموذج الأسطوري لـ«رحلة البطل»، لكن مع فارق جوهري: البطل هنا لا يبحث عن كنز خارجي، بل عن كنزه الداخلي. وهذا هو البعد الصوفي الأعمق في الرواية. الثاني عشر: اللغة بوصفها جسراً بين المرئي واللامرئي اللغة في مثل هذه الرواية لا تؤدي وظيفة إخبارية فقط. إنها تحاول أن تقول ما يصعب قوله. ولهذا تتحول اللغة إلى فضاء رمزي كثيف تتجاور فيه مفردات: • النار.• النور.• العشق.• الغياب.• الحضور.• الروح.• القلب.• الطريق.• الشعر.• الصمت. وهذه ليست مفردات زخرفية، وإنما شبكة من العلامات التي تؤسس قاموس الرواية الروحي. إن النار تحيل إلى التحول. والنور إلى الكشف. والطريق إلى البحث. والغياب إلى الحضور الباطني. والشعر إلى محاولة الإمساك بما لا تستطيع اللغة العادية الإمساك به. ومن هنا تصبح الرواية نفسها نوعاً من التصوف السردي. الثالث عشر: بين باختين وفراي: الحوار والأسطورة إذا قرأنا الرواية من خلال باختين، وجدنا أن جوهرها يقوم على الحوارية: الرومي لا يكتمل إلا عبر الآخر. وإذا قرأناها من خلال فراي، وجدنا أنها تستعيد النموذج الأسطوري للرحلة والتحول والاحتراق والبعث. وإذا قرأناها من خلال يونغ، أمكن النظر إلى شمس باعتباره صورة للنموذج الأصلي الذي يوقظ الذات ويدفعها إلى مواجهة أعماقها. وإذا قرأناها من خلال باشلار، تحولت النار والمكان والبيت والفضاء إلى صور نفسية للحلم والذاكرة. أما ريكور فيساعدنا على فهم العلاقة بين الذاكرة والهوية والسرد: فالإنسان لا يعرف ذاته فقط بما يعيشه، وإنما بما يستطيع أن يرويه عن حياته. وهنا يصبح الرومي شخصية تُعاد صياغة هويتها عبر الحكاية. الرابع عشر: القيمة الجمالية للرواية القيمة الكبرى في «الرومي: نار العشق» لا تكمن في إعادة حكاية معروفة فحسب، وإنما في محاولة نقلها من مجال التاريخ إلى مجال التجربة الإنسانية. إنها رواية تقول للقارئ المعاصر: • إن العشق ليس دائماً امتلاكاً.قد يكون فقداً. • والفقد ليس دائماً نهاية.قد يكون بداية. • والغياب ليس دائماً موتاً.قد يكون ولادة أخرى. • والآخر ليس دائماً شخصاً خارجك.قد يكون المرآة التي تكشفك لنفسك. وهذه الدائرة هي التي تمنح الرواية طاقتها الروحية والوجودية. الخامس عشر: الحكم النقدي يمكن القول إن «الرومي: نار العشق» تنتمي إلى الرواية التي تستثمر الشخصية التاريخية لتطرح سؤالاً معاصراً حول معنى الإنسان، والعشق، والهوية، والروح. وهي لا تقف عند حدود السيرة، ولا عند حدود الرواية التاريخية، وإنما تتحرك في منطقة وسطى بين: • التاريخ والأسطورة.• التخييل والتصوف.• الجسد والروح.• الحضور والغياب. ومن منظور النقد الميثولوجي، تستثمر الرواية النموذج الأصلي للعاشق الباحث عن الحقيقة، وللمرشد الذي يوقظ الذات، وللنار التي تطهر، وللغياب الذي يولد حضوراً جديداً. وهذا يتقاطع مع تقاليد النقد الأسطوري والأركيتيبي التي ربطت الأدب بالأنماط الرمزية المتكررة في المخيال الإنساني، مع ضرورة عدم اختزال فراي في علم النفس اليونغي؛ ففراي نفسه يميز بين مفهومه للأركيتايب وبين مفهوم يونغ القائم على اللاوعي الجمعي. ومن منظور السرديات، تكمن أهمية الرواية في بناء الوسيط الراوي، وتوزيع الحكاية، وإعادة ترتيب الزمن، وتحويل الوثيقة التاريخية إلى تجربة سردية. أما من منظور القراءة الصوفية، فإن الرواية تقدم العشق باعتباره طريق معرفة لا مجرد انفعال، وتحوّل شمساً من شخصية تاريخية إلى قوة روحية تحرك تحول الرومي من المعرفة إلى الوجد، ومن الظاهر إلى الباطن. خاتمة: حين يصبح العشق طريقاً إلى الله في النهاية، لا تبدو «نار العشق» رواية عن الرومي وشمس بقدر ما تبدو رواية عن الإنسان حين يلتقي بالآخر الذي يوقظ فيه ذاته المنسية. إنها رحلة تبدأ من الرشفة وتنتهي في الروح؛ تبدأ من الحواس وتنتهي في الميتافيزيقا؛ تبدأ من شخصين وتصل إلى سؤال الإنسان الأبدي: من أنا حين يسقط عني كل ما أعرفه عن نفسي؟ وهنا تكمن جمالية الرومي في الرواية، وجمالية شمس، وجمالية العشق نفسه. فشمس لم يكن مجرد رجل عبر حياة الرومي. كان حادثة وجودية. والرومي لم يكن مجرد شاعر أحب رجلاً. كان إنساناً احترق لكي يولد شاعراً، وعاشقاً، وصوفياً، وكائناً أكثر قدرة على رؤية النور. لهذا فإن نار العشق ليست ناراً تحرق الرومي. إنها النار التي تحرق ما لم يعد جديراً بأن يبقى منه، وتترك في رماده بذرة الإنسان الجديد. وهنا تلتقي الرواية مع جوهر الأدب العظيم: • أن يأخذنا من الحكاية إلى السؤال.• ومن السؤال إلى الذات.• ومن الذات إلى الآخر.• ومن الآخر إلى الروح.• ومن الروح إلى ذلك المجهول الذي نسميه ــ في لحظة صفاء ــ المعنى. وبذلك تصبح «الرومي: نار العشق» روايةً عن العشق حين يتجاوز الجسد، وعن الغياب حين يتحول إلى حضور، وعن الإنسان حين يعثر على نفسه في مرآة الآخر؛ روايةً تجعل من التاريخ مادةً للروح، ومن الأسطورة جسراً إلى الوجود، ومن الكتابة سفراً آخر في طريق العارفين. د. حسن علي الفقعاويأديب وناقد – الأردن