75 يُعتبر الزعيم الحبيب بورقيبة من أبرز مؤسِّسي الحزب الحر الدستوري الجديد رفقة العديد من المناضلين الذين انشقّوا عن الحزب القديم مثل الدكتور محمود الماطري، والبحري قيقة، ومحمد بورقيبة، وقد انعقد المؤتمر التأسيسي للحزب الجديد بمدينة قصر هلال التابعة لولاية المنستير، مسقط رأس الزعيم بورقيبة. وتشكّلت هيئة قانونية تشرف على هذا الحزب تسمّى بـ”الديوان السياسي”. وقد ضمّت هذه الهيئة عدة أسماء، وهم الدكتور محمود الماطري رئيسًا للحزب، والمحامي الحبيب بورقيبة كاتبًا عامًا، والطاهر صفر كاهية الكاتب العام، ومحمد بورقيبة (شقيق الحبيب بورقيبة) أمين مال، والبحري قيقة نائب أمين المال. ومن أبرز دوافع تأسيس هذا الحزب تجديد طرق النضال ضد الاستعمار الفرنسي، حيث اقتصر الحزب القديم على التفاوض وإرسال الوفود، وهو الأمر الذي لم يرض العناصر الجديدة التي عادت إلى تونس بعد إتمام دراستها الجامعية بالكليات الفرنسية، الدكتور محمود الماطري والمحامي الحبيب بورقيبة. وقد عمل مؤسسو الحزب الجديد على الالتحام بالفئات الشعبية التونسية منذ الثلاثينات، وتمكّنوا بواسطة هذا الأسلوب في النضال والمقاومة من كسب الكثير من الأنصار والمتعاطفين، ومن تلك اللحظة أصبح الحزب الجديد مهيمنًا على الحياة السياسية بالبلاد التونسية. في المقابل، تراجع حضور الحزب القديم وأصبح غائبًا على الساحة منذ أواخر الثلاثينات. وقد تعرّض قادته إلى الاعتقال والنفي في مناسبتين، كانت الأولى في 3 سبتمبر 1934، أي بعد أشهر من تأسيسه، وظلّوا مرابطين بالسجن والمنفى إلى سنة 1936، تاريخ صعود الجبهة الشعبية إلى السلطة. وأما المناسبة الثانية فكانت بعد أحداث 8 و9 أفريل 1938، حيث وقع القبض على قادة الحزب بعد سقوط عديد القتلى والجرحى، ومن أبرزهم علي البلهوان والزعيم الحبيب بورقيبة، وتم نفيهم وسجنهم بفرنسا، ولم يُطلق سراحهم إلا سنة 1943. وتطرح مسألة الديمقراطية في نظر الزعيم الحبيب عديد الإشكاليات، لعل أبرزها تمسّكه برفض كل قيم الديمقراطية في تونس المستقلة، ولكن ذلك الرفض لم يكن أمرًا اعتباطيًّا طيلة حكمه من 1956 إلى 1987. وتوجد الكثير من الدوافع التي تفسّر معارضة الرئيس بورقيبة تكريس مبادئ الديمقراطية في الدولة الوطنية الحديثة. وتأتي مسألة النضج الديمقراطي في طليعة هذه الأسباب، فقد عبّر الرئيس الحبيب بورقيبة عن ذلك في كثير من المناسبات في خطبه، خاصة وكان ذلك قائلًا: “لا أعتقد أن الوقت ملائم للحديث عن الديمقراطية في مفهومها المطلق، فالمجتمعات العربية همّشت مفكريها وعلماءها الحداثيين لحساب شيوخ توقّف الزمن قبل أربعة عشر قرنًا، وهو الفارق بيننا وبينهم… لذا وجب العمل على نشر ثقافة أكثر واقعية، يكون فيها للعلوم الحديثة مكان أوفر، فلو طلبنا من الشعب التونسي إجراء استفتاء عن موقفه من تعليم المرأة، فسأجزم أن 99.99% سيرفضون تعليمها.” وهكذا يتبيّن لنا في هذا السياق أن بورقيبة كان يعتقد أن الشعب التونسي غير مؤهّل لممارسة الديمقراطية بسبب تفشّي ظاهرتَي الجهل والتخلّف. فبالنسبة له لا يمكن لأي شعب أن يبلغ مرحلة النضج الديمقراطي في ظل غياب الانتصار على الخرافات والأوهام والجهل التي طغت على البلاد التونسية منذ حكم البايات الحسينيين، وقد حملهم ذلك عند إعلان النظام الجمهوري يوم 25 جويلية 1957. وعلاوة على ما تقدّم، كان الحبيب بورقيبة يرى أن الحرية التي تعتبر من أبرز مبادئ الديمقراطية توفّرت لكل تونسي باستقلال وطنه من الاستعمار، وتونسة كل دواليب الدولة (الجيش، الأمن، والعملة…)، إضافة إلى إرساء مسار يؤدّي إلى عدالة اجتماعية متطوّرة ومستمرّة، وبذلك لم يكن يعتقد أنه يمكن للتونسيين أن يكونوا في حاجة إلى أي شكل آخر من أشكال الديمقراطية. ومن جهة أخرى كان الزعيم بورقيبة يتصوّر أن الديمقراطية دون علم ودراية يمكن أن تعرقل مسيرة تحرير المرأة التونسية، فقد ردّد ذلك قائلًا: “سأفرض حرية المرأة وحقوقها بقوة القانون، ولن أنتظر ديمقراطية شعب منخدعين بالثقافة الذكورية باسم الدين.” وهكذا يتبيّن لنا أن الديمقراطية بمفهومها المطلق قد تعرقل مسيرة تحرير المرأة، حيث كان يعتقد أنه لو وقع عرض مجلة الأحوال الشخصية التي صدرت في 13 أوت 1956 على الاستفتاء سيتم رفضها بأغلبية ساحقة في ذلك الوقت. وإلى جانب ذلك، كانت هناك أولويات أخرى يجب التركيز عليها قبل مسألة تكريس الديمقراطية، والتي تتمثل في خلق تماسك حقيقي للشعب التونسي، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تكريس التنمية وقيم العدالة الاجتماعية، لأنه يرى في ذلك إعادة بناء مجتمع راقٍ وقوي يجلب له احترام القوى العالمية العظمى. ومن أهم الدوافع الأخرى التي تفسّر غياب مسألة الديمقراطية في الفكر السياسي البورقيبي رغبة الزعيم والمجاهد الأكبر في بناء دولة متحرّرة ومتّحدة ضد التشرذم القبلي والتشتّت الجهوي والصراعات الاجتماعية والسياسية. ومن جهة أخرى ظل الزعيم بورقيبة متمسّكًا بمبدأ الديمقراطية داخل الحزب الحاكم، فهو يعتبرها هي الوحيدة المناسبة للشعب التونسي. وإن المتتبّع لمواعيد انعقاد مؤتمرات الحزب الحر الدستوري، الذي تغيّرت تسميته إلى “الحزب الاشتراكي الدستوري” منذ سنة 1964، طيلة حكم الرئيس بورقيبة، يلاحظ أن أعضاء مكتبه التنفيذي يقع انتخابهم من قبل المؤتمرين، حتى وإن وقعت بعض التجاوزات في هذه الانتخابات. كما لا يمكن في هذا السياق أن نتغافل عن ظروف انعقاد مؤتمر الحزب في مدينة صفاقس من 15 إلى 19 نوفمبر 1955، هذا المؤتمر الذي حسم مسألة الخلاف اليوسفي-البورقيبي، وانتصر فيه المؤتمرون للشق البورقيبي. في المقابل وقع طرد صالح بن يوسف من الحزب بعد تغيّبه عن المؤتمر ورفضه الحضور بمدينة صفاقس. إن انعقاد مؤتمر في تلك الظرفية المتأزّمة لا ينفي أبدًا غياب الديمقراطية داخل الحزب الحر الدستوري الجديد، “الديمقراطية داخل الحزب الوحيد”، التي اعتبرها بعض الدستوريين بديلًا عن الديمقراطية بمفهومها الشامل. كما رفض الحبيب بورقيبة تفعيل آليات الديمقراطية بمفهومها الشامل خوفًا من وصول تيارات الإسلام السياسي إلى السلطة باعتبارها حركات رجعية تمثل خطرًا على الوطنية الحديثة، ولعل أبرز دليل على صحة تصورنا قوله: “هم يناضلون لقطع الأيادي والرؤوس، ونحن نناضل لتبقى الرؤوس شامخة والأيادي مرفوعة.” وعلاوة على ذلك بعث المناضل النقابي أحمد التليلي من منفاه الاختياري رسالة في 25 جانفي 1966 إلى رئيس الدولة والحزب الحاكم الزعيم بورقيبة، تطرّق فيها إلى الأزمة السياسية والاجتماعية التي تمر بها البلاد التونسية، وكانت رسالة أحمد التليلي بمثابة أنشودة للحرية وللديمقراطية، لكن الرئيس لم يعطها أي عناية، وبعد تلك الرسالة بسنوات قليلة وقع تعديل دستور غرة جوان 1959، وأصبح من ذلك بورقيبة رئيسًا لتونس مدى الحياة. وفي ذات السياق اعتبر بورقيبة تلك الرسالة تهديدًا له، وأصبح رفيقه السابق أحمد التليلي بمثابة عدو له. ووقعت خلافات شديدة بين كل من الرئيس بورقيبة وأحد وزرائه المقرّبين الأستاذ أحمد المستيري حول تفعيل مبادئ الديمقراطية في تونس المستقلة، أدّت إلى طرد المستيري من الحزب نهائيًّا سنة 1971، ومن البرلمان سنة 1973. وقد أسّس هذا الأخير حزبًا معارضًا للزعيم بورقيبة تحت اسم “حركة الديمقراطيين الاشتراكيين”، ولكنه ظل متمسّكًا برفضه للمعارضة، وقال حرفيًّا: “المعارضة كانوا وزراء عندي، سي أحمد المستيري كان وزيرًا عندي.” وخلاصة القول، لم يكن رفض الزعيم وأول رئيس للجمهورية التونسية الحبيب بورقيبة اعتباطيًّا، بل كان هذا الرفض تحكمه دوافع كثيرة في ذلك الوقت، حيث كانت عديد المعارك تتطلب أولوية قصوى قبل تفعيل الديمقراطية بالبلاد، وهي محاربة الجهل والفقر، والقضاء نهائيًّا على التعصّب القبلي، وكذلك تحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية باعتبارهما من مقومات بناء مجتمع متماسك وموحّد ضد الفتنة وكل مظاهر الانقسام. وإن الديمقراطية كفكر متجذّرة بعمق في المخيال التونسي، لكن الظروف لم تكن متوفّرة بالقدر الكافي لوضع آليات تفعيلها وتطبيق بنودها والالتزام بمبادئها، فقد كان الرئيس بورقيبة آنذاك يخشى أن تتحوّل الديمقراطية إلى فوضى وتناحر بين مختلف فئات الشعب التونسي. كاتب المقال: منصف سلطاني: أستاذ تاريخ خريج دار المعلمين العليا بتونس، وباحث في التاريخ السياسي المعاصر بكلية الآداب بمنوبة. الهوامش : بورقيبة ، ( الحبيب ) ، الاشتراكية الدستورية و الوحدة القومية ، كتابة الدولة للأخبار و الإرشاد ، تونس ، 1966 . الفيلالي ، ( مصطفى ) ، شهادة بقناة نسمة ، تونس ، سنة 2013 القليبي ، ( الشاذلي ) ، أضواء من الذاكرة : الحبيب بورقيبة ، ديميتر ، تونس ، 2014 ص ص 16 . 19 قايد السبسي ، ( الباجي ) ، الحبيب بورقيبة المهم و الأهم ، دار الجنوب للنشر ، تونس ، الشرفي، (منير)، وزراء بورقيبة : دراسة ترسم ملامح الوزير التونسي في عهد الحكم الفردي، المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر، تونس، 1988. البورصالي ، ( نورة ) ، بورقيبة و المسألة الديمقراطية 1956 _ 1963 :تعريب محمد عبد الكافي ، دار نقوش عربية ، تونس ، 2016 ، ص 145 ، 174 . الباحث منصف سلطاني