44 الزجاجة التي أرسلها ذاك الهائم في البحر لم تصلني. ظلّت هناك، بين موجة تفتح ذراعيها للغرق، وموجة أخرى تخفي في جوفها قلبًا لا يعرف إلى أيّ شاطئ ينتمي. كان قد كتب اسمي بيد أكل الملح أطرافها، وطوى الرسالة كما تُطوى آخر رحلة شوق… وأنا،منذ أن ابتلع البحر خطاه،أفتّش في زرقة الماءعن شيء صغيريشبه عودته. أقول، لعلّ الزجاجة تعثّرتبجسد سمكة،لعلّها نامت في قاع بعيد،لعلّ الموجة حملتهالأمّ أخرى… أيها البحر،أنا أمّ. ولا شيء في العالمأقسى من أمّتصلها الأخبار متأخرة،إلا أمّلا تصلها الأخبار أبدًا. هاتِ رسائلي. لا أريد البحر كلّه،ولا أريد أن أعرفإلى أيّ الجهات مضى. يكفينيأن تعيد إليّصوته في ورقة،رائحة يديه في سطر،ذلك الخطّ المرتجفالذي كان يكتب به اسميكلما همّ بالعودة…. هاتِ الزجاجة،ولو فارغة. هاتِ الورقة،ولو مبتلّة. هاتِ حتى الصمتالذي تركه وراءه. فالأمّلا تطلب من البحرمعجزة كاملة،يكفيها أن يترك على الرملأثر قدم واحدةلتبني منهاوطنًا كاملًا للانتظار. هاتِ رسائلي… فقد طال الغياب،وصار قلبيشاطئًا لا ينام،كلما جاءت موجةنهض إليها،ثم عاد خائبًاإلى مقعده الأول. والزجاجة… ما زالت في مكان ما،تشقّ عتمة الماءنحو يدي. أو لعلّهاتشقّ الماءنحو غيري… مجيدة محمديشاعرة وكاتبة – تونس