255 ليس أخطر ما تكشفه المهرجانات اليوم كثرة الجماهير، ولا ارتفاع أصوات الموسيقى، ولا حضور الفنانين من مختلف أنحاء العالم؛ بل أخطر ما تكشفه هو ذلك التحول الصامت الذي أصاب وعينا الجمعي. فقد أصبحنا أمام مشاهد لا يمكن المرور عليها باعتبارها مجرد تعبير عن الفرح أو الإعجاب، بل هي أعراض لمرض ثقافي عميق. فأن يبكي شاب أو فتاة لمجرد رؤية فنان، وأن يتدافع الناس بعنف من أجل التقاط صورة معه، وأن تتحول لحظة عابرة إلى ما يشبه التجربة المقدسة، فإننا لم نعد أمام علاقة طبيعية بالفن، بل أمام ظاهرة تستحق أن تُقرأ من زاوية نقدية. الفن في جوهره لا يُنتج العبودية، وإنما يحرر الإنسان من ابتذال الواقع، ويرتقي بذوقه وحساسيته الجمالية. لكن ما يحدث اليوم يكشف أن الفن نفسه أصبح أداة لصناعة أصنام جديدة. لم تعد الأصنام تُنحت من الحجر كما كان الأمر في الأزمنة القديمة، بل تُصنع من الشهرة والصورة وعدد المتابعين. لقد استبدل الإنسان المعاصر معبوده القديم بمعبود جديد اسمه “المشهور”، وأصبحت قيمة الفرد تُقاس بمدى اقترابه من هذا العالم اللامع، لا بما يملكه من علم أو أخلاق أو إبداع. لقد تنبأ نيتشه بمثل هذا الانقلاب عندما أعلن أن الإنسان كثيرًا ما يبحث عن أوهامه؛ لأنها تمنحه شعورًا زائفًا بالمعنى. فحين يعجز الإنسان عن صناعة مجده الخاص، يبحث عن مجد الآخرين ليعيش على هامشه. لذلك لم يعد اللقاء بفنان مجرد مصادفة سعيدة، بل تحول عند البعض إلى وسيلة لتعويض الفراغ الوجودي، وكأن صورة تُنشر على مواقع التواصل تمنح صاحبها قيمة لم يكن يشعر بها من قبل. أما غي ديبور فقد وصف هذا الواقع منذ عقود في كتابه «مجتمع الفرجة»، حين أكد أن الصورة أصبحت تحكم الواقع، وأن الإنسان لم يعد يعيش الأحداث، بل يستهلكها بوصفها عروضًا. ولذلك لم يعد الهدف من حضور المهرجان الاستمتاع بالموسيقى، وإنما إثبات الحضور أمام الكاميرا، وجمع أكبر عدد من الصور والمقاطع، وكأن التجربة لا تكتمل إلا إذا تحولت إلى محتوى رقمي. وهنا تكمن المأساة. فكلما ازداد بريق الصورة، تراجع حضور الإنسان. وكلما ارتفعت قيمة المشهور، انخفضت قيمة الفرد في نظر نفسه. لذلك لم يعد مستغربًا أن نشاهد الدموع والانهيار والصراخ أمام فنان، بينما تمر مآسي المجتمع اليومية دون أن تحرك في كثيرين الشعور نفسه. إن اختلال سلم القيم يبدأ حين نمنح العابر قداسة، ونسلبها من كل ما هو حقيقي وعميق. إن المشكلة ليست في الفنان، فهو لم يطلب أن يُعامل كإله، ولم يجبر أحدًا على البكاء أو التوسل من أجل صورة. المشكلة في مجتمع فقد القدرة على التمييز بين الإعجاب المشروع وبين إلغاء الذات. فالإعجاب بالفن دليل ذوق، أما تحويل الفنان إلى مركز للوجود فدليل أزمة وعي. ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تعكس فقرًا رمزيًا. فالمجتمعات التي تملك رموزًا علمية وفكرية وثقافية حقيقية لا تجعل الشهرة وحدها معيارًا للعظمة. أما حين يصبح عدد المتابعين أهم من عدد الكتب المقروءة، وتصبح صورة مع فنان أعظم من لقاء مع عالم أو مفكر، فإننا لا نكون أمام أزمة ذوق فقط، بل أمام انحدار في منظومة القيم نفسها. لسنا ضد المهرجانات، ولا ضد الفن، ولا ضد الفرح. فالإنسان يحتاج إلى الجمال كما يحتاج إلى الخبز. لكننا ضد أن يتحول الفرح إلى إذلال للذات، وأن يصبح الإعجاب تنازلًا عن الكرامة، وأن يُختزل الإنسان في صورة يلتقطها مع شخص لا يعرف عنه شيئًا. إن المهرجانات ليست سوى مرآة. والمرآة لا تصنع القبح، بل تكشفه. وما نراه اليوم ليس أزمة حفلات، بل أزمة إنسان يبحث عن قيمته خارج ذاته. ولن نخرج من هذه الأزمة إلا حين نستعيد الإيمان بأن قيمة الإنسان لا يمنحها مشهور، ولا تصنعها صورة، ولا يقيسها تصفيق الجمهور، بل يصنعها العقل، والوعي، والكرامة. د. سناء مسعودباحثة وكاتبة – تونس