الصفحة الرئيسية مقال فكري وفلسفي سناء عليبات / تونس: دراسة بعنوان “في أركيولوجيا الشر السائل”

سناء عليبات / تونس: دراسة بعنوان “في أركيولوجيا الشر السائل”

13 زائر 2 دقائق اقرأ

يتناول النص بالتحليل أطروحة عالم الاجتماع زيجمونت باومان حول تحولات الشر في الحداثة المتأخرة، مع التركيز على آليات تفتيت المسؤولية الأخلاقية في الفضاءات التقنية والرقمية. ​المقال محاولة لإعادة قراءة الواقع المعاصر من منظور سوسيولوجي وفلسفي رصين.

تتنزّل قراءة زيجمونت باومان وليونيداس دونسكيس لظاهرة “الشر السائل” ضمن أفق يتجاوز التصنيفات التقليدية التي حصرت الشر في تمظهراته الراديكالية أو الأيديولوجية الفجة. إننا إزاء انتقال بنيوي من “الشر الصلب” المرتبط بالسيادة القهرية، إلى نمط سائل يتسم بالانتشار والمراوغة، حيث يسكن الفراغات الناجمة عن انحلال الروابط البينية. هذا الشر لا يستمد مشروعيته من أدوات القمع، بل من قدرته على التخفي في المسالك اليومية للاقتصاد والتقنية، محولاً الكائن الإنساني من ذات أخلاقية إلى مجرد “وحدة استهلاكية” منعزلة.

يرتكز هذا الانتقال على خلخلة عميقة في بنية الالتزام؛ ففي كنف الحداثة السائلة، تتراجع الأخلاق بوصفها “انهماماً بالآخر” لتخلي مكانها لـ “لامبالاة منظمة”. هنا، لا يعود الشر فعلاً عدوانياً واعياً، بل ينبثق من انكفاء الأفراد على ذواتهم واختزال الوجود في الأنماط الاستهلاكية. إن الالتزام الأخلاقي، في هذا السياق، يفقد صفة الإلزام الوجودي ليتحول إلى “تفضيل شخصي” خاضع لمنطق السيولة، ما يجعل الكارثة الإنسانية حدثاً قابلاً للإرجاء أو التغافل ما دام لا يمس الحيز الخصوصي للفرد.

وتتجسد فاعلية الشر السائل في آلية “تجزئة المسؤولية” داخل النظم الوظيفية المعقدة. إذ يتم تفتيت الفعل الجرمي إلى سلسلة من الإجراءات التقنية المحايدة، بحيث يغدو الفرد مجرد “ترس” في ماكينة بيروقراطية كبرى. هذا التقسيم يضمن “تنزيه” الضمير الفردي من الشعور بالذنب؛ فالموظف أو التقني لا يرى في فعله إلا إنجازاً لمهام إدارية، بينما تضيع المسؤولية الأخلاقية في المسافة الفاصلة بين الإجراء الموضعي والنتيجة الكلية. إنها عملية “عقلنة” للأذى، حيث تُستبدل القيم الإنسانية ببيانات إحصائية وأنساق تقنية تُفرغ الفعل من حمولته القيمية.

أما في الفضاء الرقمي، فإن هذه السيولة تبلغ ذروتها عبر “تسليع الألم”. تتحول المأساة الإنسانية إلى “فرجة” بصرية سريعة الزوال، حيث يتم ترويض الوعي عبر التدفق اللامتناهي للمعلومات. إن الانتقال الخاطف من مشاهد الإبادة إلى المحتوى الترفيهي يؤدي إلى “تآكل الحساسية الأنطولوجية”؛ فالوجع يفقد ثقله بمجرد دخوله في دورة الاستهلاك الرقمي. هكذا، يغدو الشر حالة من “الاعتياد” الذي يقتل القدرة على الدهشة أو الاستنكار، ويحول الفرد إلى شاهد صامت يستهلك المأساة دون أن تستثير فيه أي قلق أخلاقي.

إن استعادة الوعي بآليات هذا الشر تقتضي، بالضرورة، رفض الاختباء خلف “الحياد الوظيفي” أو المسوغات التقنية. إنها دعوة لاستعادة “السيادة الأخلاقية” للفرد، وكسر رتابة الماكينة التي تسعى لتدجين الوعي. إن مواجهة الشر السائل لا تمر عبر الشعارات الكبرى، بل عبر استعادة قدرة الكائن على استشعار “ثقل الآخر” ومسؤوليته المطلقة تجاهه، في عالم يحاول باستمرار تحويل الوجود إلى سيولة لا ضفاف لها.

الباحثة سناء عليبات

  • باحثة تونسية
    أستاذة وباحثة في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة دكتورا فلسفة بقسم الفلسفة بصفاقس

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.