الأربعاء, يونيو 3, 2026
الرئيسية » زاهر الأسعد: تفكيك الهوية والزمن ديوان “ملكية اللاشيء” بقلم ناصر أبوعون

زاهر الأسعد: تفكيك الهوية والزمن ديوان “ملكية اللاشيء” بقلم ناصر أبوعون

238 زائر 3 دقائق اقرأ

بقلم لا يشبه إلا نفسه، قلم يمسك النص من خاصرته فيستدرجه إلى البوح دون أن يفضح أسراره، ويسائله دون أن ينتزع منه دهشته، قلم لا يمارس النقد سلطة، يمارسه طقساً؛ طقس كشف لا عنف فيه وإضاءة لا تحرق غموض النص تمنحه هالة من نور قراءته لديوان «ملكية اللاشيء» ليست تأويلاً، هي مرافقة للنص في رحلته إلى أقصى المعنى هناك حيث تتلاشى الحدود بين الملكية واللاشيء، وتصير اللغة مرآة لا تعكس إلا حيرة القارئ أمام اتساع التأويل، حين تقرأ، تشعر أن أحداً يأخذ بيدك إلى عتبة النص ثم يتركك هناك وحيداً مع أسئلتك مواجهاً غموضك الخاص، وهذا هو النقد حين يكون نبيلاً يرافقك إلى حيث يبدأ السؤال لا إلى حيث تنتهي الإجابة، ما قرأته بقلم الأستاذ ناصر ابوعون قراءة تحسن الإنصات للنص قبل أن تحسن تأويله لغة تمسك بالمفارقة فلا تكسرها وتمشي على حافة المعنى فلا تسقطه في التفسير وحين التقط جوهرة الديوان «الامتلاك الحقيقي يتحقق بالتخلي» لم يشرحها، أضاءها ووقف على عتبة النص لا ناقداً إنما شاعراً يُكمل القصيدة بصمت العارفين

أيها القارئ قبل أن تطأ قدماك أرض هذا الديوان، قف قليلاً هنا اقرأ هذه المقدمة كما تقرأ المفاتيح فربما وجدت فيها ما يضيء لك العتمة الأولى، ويهيئ روحك لدخول عالم لا يمنحك أجوبة يورطك في أسئلة لا تنتهي فهم عميق، ومدح لاذع في دقته وشكر يليق باسمه ناصر، وكفى به اسماً.

قراءته لديوان «ملكية اللاشيء» بقلم ناصر أبوعون

هذا الديوان أسرّ لي ذات ليلةٍ مكتنزة بالألم، بعد أن توقفتُ طويلًا أمام عتباته المتتالية؛ بدءًا من العنوان المُفخخ بأسئلة لا نملك إجابات يقينية عنها، ومرورًا بالإهداء المزنّر بالوجع والمكاشفة، وصولًا إلى المفتتح، الذي يوغل في الغموض ولا يشرح، ويستعصي على التأويل؛ لنصل إلى الحكمة البالغة إنه: “ليس هذا ديوانًا. هذا جُرحٌ تَعَلَّمَ كيف يُضيء، وصمتٌ فَسَّرَ نفسَه بنفسه، وغيمةٌ تمطر على أرض جفتْ من كثرة الرحيل. هذا كتابُ من لا يملكون شيئًا، فصار المدى كلَّه ملكهم”. هذا الديوان أسرّ لي أنّ زاهر الأسعد صوت شعريّ متفرّد لا يشبه أحدًا، بل الأدهى وأمرّ أنه لا يشبه نفسه، وإنّه شاعر في حالاته المعتادة لا يغرد إلا خارج الوقت، وخارج الشِّعر، وخارج المألوف من الاستعارات، وخارج اللاشيء؛ ليشي لنا بأنّ هذا (الزاهر الأسعد) استثناء في المشهد الشعريّ العربيّ المعاصر، وعلامة فارقة في قصيدة النثر الحداثويّة.

حقيقة أنا لم أقرأ للشاعر السوريّ زاهر الأسعد من قبل، ولم أكن أعرفه كوجود مادي، بل عرفته من خلال ديوانه (ملكيّة اللاشيء) الذي أرسله لي على حين وعكة فكرية، فاكتشفت نفسي فيه، فأنا وهو وأنتم جميعًا يا أبناء (يَعْرُب بن قحطان) منفيٌّ وجودنا في الواقع المعاش، ولا يمكن القبض على ظلالنا، إننا محض سراب فلا ملكيّة ولا شيء، وما بينهما يُولَدُ نوعًا مغايرًا للمعتاد من الفضاء الدلاليّ القلق.

في هذا الديوان يؤكد الأسعد على غياب المرجعيات، فلا شيء يقينيّ إلا الله، ولا حضور مكتمل للأفكار، ولا فرع منبثق من الأصل، حيث تم تقويض ميتافيزيقا الحضور؛ ولهذا فإن هذا السِّفر الشعريّ يشكّل صدمة وانفجارًا كبيرًا، تشظَّت فيه الأفكار الكبرى، وسقطت المرجعيات من سماء اليقين على أرض يباب هشّة، ومن وجهة نظر شيخ التفكيكية جاك دريدا وجدنا كل (شيء) يحمل بذرة فنائه، ونقيضه في داخله، فلا نقاء مطلق.

وعلى منحى آخر أيضًا يؤكد زاهر الأسعد أنه لا شبيه له في اجتراح الأفكار، ولا صنو له في بناء الجمل الشعرية، ولا يطاوله شاعر آخر في توليد الاستعارات الجريئة، وتخطي حدود المجازات التقليدية، والاستبداد باللغة والقفز على الانزياحات المعتادة. ونكتشف في آخر المطاف أنَّ الذات الشعرية (زجاج محايد)؛ بل هي ذات تعكس حقيقة الأشياء ولا تحتفظ بها، وهي ذات رخوة لا تملك ذاكرة صُلبة؛ لذا يمكن استعادة الآثار التي سقطت في قاعها. والخلاصة: فلا حضور ولا غياب.

ولكن لاحظنا كيف قام زاهر الأسعد بتفكيك الزمن، ربّما لأنه اعتقد جازمًا أن الهوية لا تتولد من التسلسل الزمني الخطّيّ المُعتاد، بل من الانقطاع والتشظي اللانهائي، ومن تفكك السلطة لنجد أنفسنا معه أمام زمن بلا مركزيّة.

ومن المثير للدهشة في عنوان هذا الديوان المُسمّى (ملكية اللاشيء) والذي يحمل في مادته اللغويّة تضادًّا ينسف كل اليقينيات البشريّة؛ ليجعلنا نتساءل: كيف تجتمع الملكية واللاشيء في (زمكان واحد)، بل كيف تجتمع كفكرة ينقضها المنطق ويخاصمها العقل، فضلًا عن اهتزاز العلاقة بين الدوال داخلها، بل إنها فكرة العنوان متعددة ومنزاحة ومفتوحة على تعدديات لا نهائية، بل الأنكى أن الشاعر أدخلنا معه كهف الشك، وسحب اللغة أيضًا إلى دائرة الشك واللايقين.

وعلى منقلب آخر، وخاصة في هذه العبارة (حرًّا من رغبة التحرر ذاتها)، يبلغ الديوان كله ذروة الصراع الفكريّ، وساقها الشاعر ليؤكد على أن كل مشروع استقلال، أو ثورة بيضاء أو حمراء، أو رغبة في التحرر الوطني تحمل في داخلها جرثومة فنائها، وإن لم تفنَ فإنها ستظل ترسف في (قيد أبديّ) يحرفها عن غايتها الكبرى، بل حتى الرغبة في الخلاص تفككت، وتمَّ تقويض حُلم الحرية.

وتأتي العبارة/ الصدمة في قول الشاعر (لا أملك شيئًا / صار المدى كلّه / ملكي). إنها عبارة عمدة في هذا الديوان، ساقها الشاعر لإعادة تعريف الملكية بنفيها، والتأكيد على الحكمة المتعالية بأن (الامتلاك الحقيقي يتحقق بالتخلّي). وهذه العبارة تمثل الخاتمة، التي لا تشي لنا بالحل السحريّ، بل تقدم لنا مفارقة مفتوحة، ومقرونة باللعب الدلاليّ، وهنا تتساوى الذات مع تلاشيها، ويترادف الحضور مع الغياب، ويقترن الفراغ بالامتلاء.

في الأخير يمكنني القول: إنّ زاهر الأسعد عبر هذا الديوان الاستثنائي ترك القارئ في منطقة وسطى بين قطبين ناريين وحالة بين – بين؛ لأنه ببساطة كان يكتب ذاته، ثم يمحوها، ويبني رؤاه الشعرية ويهدمها في آن واحد، ويقوّض كل الأفكار الكبرى واليقينيات المتوارثة، حيث المعنى ليس معطًى، بل دائم التأجيل….. بقلم ناصر أبوعون

الشاعر زاهر الأسعد

  • شاعر وكاتب فلسطيني
    وُلد في درعا عام 1983، لاجئٌ فلسطيني يقيم في سوريا، ويحمل في قلبه وطنًا غائبًا لا يفارقه، تمامًا كما لا يفارق الماء سيرة النهر. يعيش في المزيريب حيث تتداخل الذاكرة مع تفاصيل الحياة اليومية، فيكبر الحنين معه، ويكبر المعنى. يعمل في الشركة السورية للاتصالات، يمدّ الخيوط بين الناس، لكنه يجد اتصاله الأعمق في الشعر؛ فهناك يتنفس، وهناك يبحث عن المعنى الذي لا تمنحه الخرائط ولا تمنحه المهن. في الكتابة يفتح أبوابًا للضوء، ويصنع مسارًا خاصًا بين الصرامة العملية وحرية القصيدة. هاوٍ للشعر، محب للنصوص الوجدانية والفلسفية، يقلب الكلمات كما لو كانت أطيافًا تتشكل بين يديه، ويجعل من يومه طقسًا روحيًا يوازن فيه بين واقعٍ يفرض قوانينه، وخيالٍ يشرّع نوافذه بلا حدود. يحمل شغفًا لا ينطفئ، ويكتب ليظل حاضرًا في وجه الغياب، وليبقى الضوءُ ممكنًا مهما طال الليل.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.