38 ببالغ الحزن والأسى، تنعى المجلّة الثقافية نيابوليس الشاعر والمفكّر التونسي علي السماوي، الذي غيّبه الموت اليوم السبت 03 أكتوبر 2026، بعد مسيرة طويلة حافلة بالعطاء والإبداع والانفتاح على المعرفة والثقافات. وقد نعت وزارة الشؤون الثقافية التونسية الفقيد، مشيدة بما تركه من مؤلفات وإسهامات في المشهد الثقافي والفكري، وبما عُرف به من ثقافة موسوعية وشغف عميق بالمعرفة، إلى جانب رحلاته التي طاف خلالها العالم وإتقانه عديد اللغات. قامة ثقافية من قفصة ينتمي علي السماوي إلى مدينة قفصة، التي ظلّ أحد أبنائها البارزين وأصواتها الثقافية المميّزة، حتى غدا يُشار إليه في الوسط الثقافي المحلي باعتباره أحد رموز المدينة وأيقوناتها الشعرية. وقد ظلّ حضوره مرتبطًا بالمشهد الثقافي في قفصة، وبخاصة من خلال اهتمامه بالشعر والفكر والكتاب. وفي مارس 2026، حظي علي السماوي بتكريم خلال تظاهرة رمضانيات بيت الشعر في قفصة، حيث قُدّمت تجربته بوصفها تجربة شعرية متفرّدة تتقاطع فيها الثقافة العربية مع الثقافة الفرنسية، وتتجاور فيها الأسطورة مع التأمل الفلسفي، ويتخذ الشعر لديه أبعادًا روحية وفكرية رحبة. شعر يعبر بين الثقافات تميّزت التجربة الأدبية لعلي السماوي بانفتاح واضح على الثقافات والآداب العالمية، وهو ما انعكس في كتاباته الشعرية وفي اختياراته الفكرية. ومن الأعمال التي ارتبطت بتجربته الشعرية ديوان «Orphée ou l’amour éternel» الصادر سنة 1991، والذي قدّمه الشاعر السنغالي المعروف ليوبولد سيدار سنغور، إضافة إلى ديوان «Prométhée vole toujours» الصادر سنة 1993. وتكشف هذه التجربة عن شاعر لم يتعامل مع الشعر بوصفه تعبيرًا لغويًا فحسب، وإنما جعله مجالًا للتأمل في الإنسان والحياة والأسطورة والمصير، مستفيدًا من تعدد المرجعيات الثقافية التي انفتح عليها خلال مسيرته. الكتاب… ذاكرة حيّة لم يكن ارتباط علي السماوي بالكتاب عابرًا، فقد جمع خلال رحلاته وتجربته الثقافية مكتبة ضخمة أصبحت جزءًا أساسيًا من مشروعه المعرفي. وتشير مصادر ثقافية تونسية إلى أن مكتبته كانت تضم نحو سبعة آلاف مجلد وكتاب في مجالات فكرية وأدبية متعددة، كما مثّل صالونه الأدبي فضاءً للقاء والحوار وتبادل الأفكار، ومكتبة حيّة مفتوحة على المعرفة والثقافة. ولذلك لم تكن المكتبة بالنسبة إليه مجرد مجموعة من الكتب، بل كانت امتدادًا لمشروعه الثقافي، ومساحة للتواصل مع الأفكار والتيارات الأدبية والفكرية المختلفة. معرفة بلا حدود عرف الفقيد بثقافته الموسوعية وبشغفه بالقراءة والمعرفة، كما ارتبط اسمه بتجربة إنسانية وثقافية واسعة، جعلت من السفر والتعرّف إلى الشعوب واللغات والثقافات جزءًا من تكوينه الفكري. وقد انعكس هذا الانفتاح على تجربته الأدبية، فكان تعدد اللغات والثقافات أحد العناصر التي أسهمت في تشكيل رؤيته للعالم، وجعلت من كتابته مساحة تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع الأسئلة الفكرية والإنسانية الكبرى. وبهذا المعنى، كان علي السماوي ينتمي إلى جيل من المثقفين الذين لم يروا في الثقافة حدودًا جغرافية أو لغوية، بل اعتبروها طريقًا للانفتاح على الإنسان والعالم. رحيل رجل الكتاب والفكر برحيل علي السماوي، تفقد الساحة الثقافية التونسية شاعرًا ومفكرًا ترك أثرًا يتجاوز النصوص التي كتبها، إلى الفضاء الثقافي الذي أسهم في تشكيله من خلال الكتاب والصالون الأدبي والحوار والانفتاح على مختلف المعارف. لقد كان الكتاب جزءًا من حياته، والشعر إحدى أدواته في مساءلة العالم، والثقافة بالنسبة إليه فضاءً واسعًا للبحث والتأمل والتواصل. وإذا كان الموت يضع حدًا للمسيرة الجسدية، فإن ما خلّفه المبدع من كتب وأفكار وتجارب يظل قادرًا على مواصلة الحوار مع الأجيال القادمة. وفي هذا المصاب الجلل، تتقدّم المجلّة الثقافية نيابوليس بأحرّ عبارات التعازي والمواساة إلى عائلة الفقيد علي السماوي، وإلى أصدقائه ومحبيه، وإلى أبناء قفصة، وإلى كافة أفراد الأسرة الثقافية والأدبية في تونس. نسأل الله أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جنانه، وأن يلهم أهله وذويه جميل الصبر والسلوان. إنّا لله وإنّا إليه راجعون. المجلّة الثقافية نيابوليسفريق التحرير