الأربعاء, أغسطس 5, 2026
الرئيسية » ربا رباعي – الأردن: كيف تصنع اللغة المعنى؟ – بلاغة إنتاج الدلالة بين البلاغة والتواصل والتلقي والتأويل

ربا رباعي – الأردن: كيف تصنع اللغة المعنى؟ – بلاغة إنتاج الدلالة بين البلاغة والتواصل والتلقي والتأويل

قراءة تكاملية في شعر محمود درويش

231 زائر 1 دقائق اقرأ

منذ أن بدأ الإنسان يتأمل اللغة، ظل سؤال المعنى في صدارة الأسئلة الفلسفية واللغوية والنقدية. ولم يكن الخلاف يومًا حول وجود المعنى، وإنما حول الكيفية التي يتشكل بها؛ أهو كامن في الألفاظ ذاتها، أم في قصد المتكلم، أم في بنية النص، أم في وعي القارئ؟ ومع تطور الدرس اللساني والنقدي، لم يعد المعنى يُنظر إليه بوصفه حقيقة جاهزة تستقر داخل النص، بل أصبح يُفهم بوصفه حدثًا معرفيًا يتولد من شبكة معقدة من العلاقات التي تجمع اللغة والسياق والمتكلم والمتلقي والثقافة والتاريخ.

لقد انتقلت الدراسات الحديثة من سؤال: «ماذا يعني النص؟» إلى سؤال أكثر عمقًا وتأثيرًا: «كيف تصنع اللغة المعنى؟». وهذا التحول لم يكن مجرد انتقال في زاوية النظر، بل كان تحولًا في طبيعة التفكير النقدي نفسه؛ إذ لم يعد النص وعاءً يحمل دلالة ثابتة، وإنما أصبح فضاءً تتفاعل فيه البنية اللغوية مع المقام التداولي، وتتداخل فيه الاستراتيجيات البلاغية مع أفق انتظار القارئ، ويتجدد فيه المعنى مع كل قراءة جديدة.

ومن اللافت أن هذا التصور، الذي يبدو حديثًا، يجد جذوره في التراث البلاغي العربي، ولا سيما عند عبد القاهر الجرجاني في نظريته في النظم؛ إذ لم يجعل المعنى وليد المفردة، وإنما ثمرة العلاقات التي تنشأ بين الكلمات داخل السياق. فالكلمة لا تكتسب قيمتها من ذاتها، وإنما من موقعها في البنية ومن طبيعة اتصالها بما حولها. وهذه الفكرة تكاد تلتقي مع كثير من التصورات اللسانية والتداولية الحديثة التي ترى أن الدلالة لا تنفصل عن الاستعمال ولا عن المقام.

ثم جاءت التداولية لتكشف أن المعنى يتجاوز ما يقال إلى ما يُقصد، وأن الخطاب لا يكتمل بمدلوله الظاهر، بل يمتد إلى الاستلزام الحواري، والافتراض المسبق، وأفعال الكلام، والإشارات السياقية التي تجعل اللغة فعلًا اجتماعيًا قبل أن تكون نظامًا لغويًا. وفي الوقت نفسه، منحت الهرمنيوطيقا ونظرية التلقي القارئ مكانة مركزية، فلم يعد متلقيًا سلبيًا، بل شريكًا في إعادة إنتاج الدلالة، بحيث يغدو النص مشروعًا مفتوحًا لا يكتمل إلا في فعل القراءة.

ومن هنا تنشأ الحاجة إلى تجاوز المقاربات الأحادية التي تفصل البلاغة عن التداولية، أو تعزل التأويل عن التلقي، أو تجعل النص منغلقًا على بنيته الداخلية. فاللغة لا تنتج المعنى عبر مستوى واحد، وإنما من خلال تفاعل أربعة أنظمة كبرى: البنية البلاغية، والفعل التواصلي، وأفق التلقي، والاستراتيجية التأويلية. وعندما تعمل هذه الأنظمة مجتمعة، تتحول اللغة من أداة لنقل الأفكار إلى قوة معرفية قادرة على إنتاج العالم نفسه.

الأديبة والناقدة ربا رباعي

  • شاعرة وناقدة أردنية
    ربا رباعي، المعروفة بـ«همسات الربى»، أستاذة جامعية وشاعرة وناقدة، متخصّصة في اللغة العربية (بلاغة ونقد)، حاصلة على الماجستير والدكتوراه والدبلوم العالي في أساليب تدريس اللغة العربية من جامعة اليرموك بالأردن. لها تجربة طويلة في التدريس الأكاديمي ولغير الناطقين بالعربية. تكتب الشعر والنقد، وأصدرت عدة دواوين منها «أتنفّسك عشقًا» و**«بوح ترانيم»** و**«في خاطري سطور»**، إلى جانب مشاركات في أعمال مشتركة، كما لها كتابان في النقد الأدبي وعدد من الأبحاث العلمية. نُشرت أعمالها في مجلات ومنصات أدبية متعددة، ولها حضور فاعل في الأنشطة والمنتديات الثقافية.

اقرأ أيضا

سجّل اسمك وإبداعك، وكن ضيفًا في محافلنا القادمة

ندعو الأدباء والشعراء وسائر المبدعين إلى أن يُضيئوا حضورهم بيننا بتسجيل أسمائهم وتعمير الاستمارة التالية، ثم النقر على زر «أرسل» ليكون اسمكم ضمن قائمة الدعوات إلى تظاهراتنا الثقافية القادمة — حيث يلتقي الإبداعُ بنبض الحياة، وتُصاغ الكلمةُ في فضاءٍ يليق بكم وبأحلامكم.